التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ} (53)

قوله : ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ) أي أن أمم الأنبياء قد افترقوا ؛ إذ جعلوا دينهم الواحد أديانا ، وملتهم الواحدة مللا ، بدلا من اجتماعهم مؤتلفين على الدين الحق الواحد ، وملة التوحيد الخالص لله .

و ( زبرا ) يعني كتبا ، جمع زبور وهو الكتاب ؛ فقد تفرقت الأمم كتبا كثيرة شتى أحدثوها واصطنعوها من عند أنفسهم . اصطنعها الأفاكون والخراصون من دجاجلة كل ملة زاغت عن التوحيد ، وضلت طريق الله ، فأضلوا الناس بضلالهم وانحرافهم ؛ إذ حسب كل فريق مضلل من تلك الأمم التائهة أنه مصيب وأنه متلبس دون غيره بالحق . والله يشهد ، والراسخون في العلم والحكمة يشهدون أنهم مبطلون واهمون زائغون عن سواء السبيل . وذلك مما سوله لهم شياطين البشر من مبتدعي الضلالات واختلاف الكتب الزائفة ، الحافلة بالكذب والافتراء على الله .

قوله : ( كل حزب بما لديهم فرحون ) كل فريق من هذه الأمم الواهمة المضللة معجب برأيه أو بكتابه المزيف . كتابه الذي اصطنعه رجال أشقياء ممن حرفوا كلام الله عن مواضعه فصاغوا واصطنعوا من الضلالات والأباطيل ما جاءت به أهواؤهم الشريرة وقلوبهم الكزة العمياء التي تنضح بالاضطغان والكراهية للبشرية ، وتفيض بالتعصب والانطوائية ومقت الآخرين . وذلك كله بفعل الأفاكين الخراصين الذين افتروا على الله الكذب بابتداع الكتب المكذوبة المزيفة التي تفسد العقول والقلوب والضمائر ، وتثير فيها الغرور والكراهية والجنوح للشر والتخريب والتدسس في الظلام ، كالذي فعلته طوائف من بني إسرئيل ، بما اصطنعوه من زيف الكتب والديانة المحرفة ما ملأ قلوبهم وقلوب ذراريهم وأحفادهم بالاغترار البالغ والتعصب الظالم الأعمى والكراهية المقيتة للآخرين .

لكن دين الله الحق وهو الإسلام مبرأ من هاتيك العيوب والضلالات . بعيد كل البعد من مواطن التلاعب والتزييف والتحريف . فلم تمسه أصابع أفاك أثيم ، ولا نالت منه أقلام المضللين والمشعوذين ، أو ضلالات أولي الأهواء المبطلين . لا جرم أن الإسلام وحده حقيق بأن تلتزم البشرية عقيدته الفاضلة السمحة ، وأن تتبع أحكامه وشرائعه القائمة على العدل والمساواة والرحمة والإخاء .