التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ} (30)

عطف على { بدلوا } و { أحلوا } ، فالضمير راجع إلى { الذين } وهم أئمة الشرك . والجعل يصدق باختراع ذلك ما فعل عمرو بن لُحي وهو من خُزاعة . ويصدق بتقرير ذلك ونشره والاحتجاج له ، مثل وضع أهل مكة الأصنام في الكعبة ووضع هُبل على سطحها .

والأنداد : جمع نِدّ بكسر النون ، وهو المماثل في مجد ورفعة ، وتقدم عند قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً } في سورة البقرة ( 22 ) .

وقرأ الجمهور { ليضلوا } بضم الياء التحتية من أضل غيره إذا جعله ضالاً ، فجعل الإضلال علة لجعلهم لله أنداداً ، وإن كانوا لم يقصدوا تضليل الناس وإنما قصدوا مقاصد هي مساوية للتضليل لأنها أوقعت الناس في الضلال ، فعُبر على مساوي التضليل بالتضليل لأنه آيل إليه وإن لم يقصدوه ، فكأنه قيل : للضلال عن سبيله ، تشنيعاً عليهم بغاية فعلهم وهم ما أضلوا إلا وقد ضَلّوا ، فعلم أنهم ضلوا وأضلوا ، وذلك إيجاز .

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ورُويْس عن يعقوب { لِيَضلّو } بفتح الياء والمعنى : ليستمر ضلالهم فإنهم حين جعلوا الأنداد كان ضلالهم حاصلاً في زمن الحال . ومعنى لام التعليل أن تكون مستقبلة لأنها بتقدير { أن } المصدرية بعد لام التعليل .

ويعلم أنهم أضلوا الناس من قوله : { وأحلوا قومهم دار البوار } .

وسبيل الله : كل عمل يجري على ما يرضي الله . شبه العمل بالطريق الموصلة إلى المحلة ، وقد تقدم غير مرة .

وجملة { قل تمتعوا } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن المخاطب ب { ألم تر إلى الذين بدلوا } إذا علِم هذه الأحوال يتساءل عن الجزاء المناسب لجرمهم وكيف تركهم الله يرفلون في النعيم ، فأجيب بأنهم يصيرون إلى النار ، أي يموتون فيصيرون إلى العذاب .

وأُمر بأن يبلغهم ذلك لأنهم كانوا يزدهون بأنهم في تنعم وسيادة ، وهذا كقوله : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } في سورة آل عمران ( 196 ، 197 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ} (30)

قوله تعالى : " وجعلوا لله أندادا " أي أصناما عبدوها ، وقد تقدم في " البقرة " {[9518]} . " ليضلوا عن سبيله " أي عن دينه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، وكذلك في الحج " ليضل عن سبيل الله{[9519]} " [ الحج : 9 ] ومثله في " لقمان{[9520]} " و " الزمر{[9521]} " وضمها الباقون على معنى ليضلوا الناس عن سبيله ، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يضلون عن سبيل الله على اللزوم ، أي عاقبتم إلى الإضلال والضلال ، فهذه لام العاقبة . " قل تمتعوا " وعيد لهم ، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ الدنيا إذ هو منقطع . " فإن مصيركم إلى النار " أي مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم .


[9518]:راجع ج 1 ص 230 فما بعدها.
[9519]:راجع ج 12 ص 16، وج 14 ص 56، و ج 15 ص 237.
[9520]:راجع ج 12 ص 16، وج 14 ص 56، و ج 15 ص 237.
[9521]:راجع ج 12 ص 16، وج 14 ص 56، و ج 15 ص 237.