التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

تفريع على جملة { أعرضتم } [ الإسراء : 67 ] ، وما بينهما اعتراض ، وفرع الاستفهام التوبيخي على إعراضهم عن الشكر وعودهم إلى الكفر .

والخسف : انقلاب ظاهر الأرض في باطنها من الزلزال . وتقدم في قوله : { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض } في سورة [ النحل : 45 ] .

وفي هذا تنبيه على أن السلامة في البر نعمة عظيمة تنسونها فلو حدث لكم خسف لهلكتم هلاكاً لا نجاة لكم منه بخلاف هول البحر . ولكن لما كانت السلامة في البر غيرَ مُدرك قدرُها قلَّ أن تشعر النفوس بنعمتها وتشعر بخطر هول البحر فينبغي التدرب على تذكر نعمة السلامة من الضر ثم إن محل السلامة معرض إلى الأخطار .

والاستفهام بقوله : { أفأمنتم } إنكاري وتوبيخي .

والجانب : هو الشق . وجعل البر جانباً لإرادة الشق الذي ينجيهم إليه ، وهو الشاطىء الذي يرسون عليه ، إشارة إلى إمكان حصول الخوف لهم بمجرد حلولهم بالبر بحيث يخسف بهم ذلك الشاطىء ، أي أن البر والبحر في قدرة الله تعالى سيان ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في البر والبحر . وإضافة الجانب إلى البر إضافة بيانية .

والباء في { يخسف بكم } لتعدية { يخسف } بمعنى المصاحبة .

والحاصب : الرامي بالحصباء ، وهي الحجارة . يقال : حصبه ، وهو هنا صفة ، أي يرسل عليكم عارضاً حاصباً ، تشبيهاً له بالذي يرمي الحصباء ، أي مطر حجارةٍ ، أي بَرَد يشبه الحجارة ، وقيل : الحاصب هنا بمعنى ذي الحصباء ، فصوغ اسم فاعل له من باب فاعل الذي هو بمعنى النسب مثل لاَبِنٍ و تَامِرٍ .

والوكيل : الموكل إليه القيامُ بمهم موكله ، والمدافع عن حق موكله ، أي لا تجدوا لأنفسكم من يجادلنا عنكم أو يطالبنا بما ألحقناه بكم من الخسف أو الإهلاك بالحاصب ، أي لا تجدوا من قومكم وأوليائكم من يثأر لكم كشأن من يلحقه ضر في قومه أن يدافِع عنه ويطالب بدمه أولياؤُه وعصابتُه . وهذا المعنى مناسب لما يقع في البر من الحدثان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

قوله تعالى : " أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر " بين أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر . والخسف : أن تنهار الأرض بالشيء ، يقال : بئر خسيف إذا انهدم أصلها . وعين خاسف أي غارت حدقتها في الرأس . وعين من الماء خاسف أي غار ماؤها . وخسفت الشمس أي غابت{[10313]} عن الأرض . وقال أبو عمرو : والخسيف البئر التي تحفر في الحجارة فلا ينقطع ماؤها كثرة . والجمع خسف . وجانب البر : ناحية الأرض ، وسماه جانبا لأنه يصير بعد الخسف جانبا . وأيضا فإن البحر جانب والبر جانب . وقيل : إنهم كانوا على ساحل البحر ، وساحله جانب البر ، وكانوا فيه آمنين من أهوال البحر ، فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر . " أو يرسل عليكم حاصبا " يعني ريحا شديدة ، وهي التي ترمي بالحصباء ، وهي الحصى الصغار ، قاله أبو عبيدة والقتبي . وقال قتادة : يعني حجارة من السماء تحصبهم ، كما فعل بقوم لوط . ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد : صاحب ، وللريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب وحصبة أيضا . قال لبيد :

جرّت عليها أن خَوَت من أهلها *** أذيالَها كلُّ عَصُوفٍ حَصِبه

وقال الفرزدق :

مستقبلين شَمَال الشام يضربنا *** بحاصب كنَدِيف القطن منثور

" ثم لا تجدوا لكم وكيلا " أي حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله .


[10313]:أولى أن يقال: غاب نورها.