التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

حكاية فن من أفانين ضلالهم وعماهم في الدنيا ، فالجملة عطف على جملة { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى } [ الإسراء : 72 ] ، وهو انتقال من وصف حالهم وإبطال مقالهم في تكذيب النبي إلى ذكر حال آخر من حال معارضتهم وإعراضهم ، وهي حال طَمعهم في أن يستنزلوا النبي لأن يقول قولاً فيه حسن ذكر لآلهتهم ليتنازلوا إلى مصالحته وموافقته إذا وافقهم في بعض ما سألوه .

وضمائر الغيبة مراد منها كفار قريش ، أي مُتولوا تدبيرَ أمورهم .

وغُيّر الأسلوب من خطابهم في آيات { ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر } [ الإسراء : 66 ] إلى الإقبال على خطاب النبي لتغير المقام من مقام استدلال إلى مقام امتنان .

والفتْن والفتون : معاملةُ يلحق منها ضُرّ واضطراب النفس في أنواع من المعاملة يعسر دفعها ، من تغلب على القوة وعلى الفِكر ، وتقدم في قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } في سورة [ البقرة : 191 ] .

وعدي { يفتنونك } بحرف ( عَن ) لتضمينه معنى فعللٍ كان الفَتن لأجله ، وهو ما فيه معنى ( يصرفونك ) .

والذي أوحي إليه هو القرآن .

هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما تقتضيه أدلة عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تتطرق إليه خواطر إجابة المشركين لما يطمعون .

وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي ، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية ، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف . ومرجع ذلك إلى أن المشركين راودوا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسويهم مع من يعُدّونهم منحطين عنهم من المؤمنين المستضعفين عندهم مثل : بلال ، وعمار بن ياسر ، وخباب ، وصهيب ، وأنهم وعدوا النبي إن هو فعل ذلك ؛ بأن يجلسوا إليه ويستمعوا القرآن حين لا يكون فيه تنقيص آلهتهم ، وأن رسول الله هم بأن يُظهر لهم بعض اللين رغبة في إقبالهم على سماع القرآن لعلهم يهتدون ، فيكون المراد من { الذي أوحينا إليك } بعض الذي أوحينا إليك ، وهو ما فيه فضل المؤمنين مثل قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } الآية [ الأنعام : 52 ] ، أو ما فيه تنقيص الأصنام .

وسمات التخرص وضيق العطن في معنى الآية بحاقّ ألفاظها بادية على جميع هاته الأخبار . وإذ قد ملئت بها كتب التفسير لم يكن بد من تأويل الآية بأمثل ما يناسب تلك الأخبار لئلا تكون فتنة للناظرين فنقول :

إن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في اقترابهم من الإسلام وفي تأمين المسلمين ، أجالت في خاطره أن يجيبهم إلى بعض ما دعوه إليه مما يرجع إلى تخفيف الإغلاظ عليهم أو إنظارهم ؛ أو إرضاء بعض أصحابه بالتخلي عن مجلسه حين يحضره صناديد المشركين وهو يعلم أنهم ينتدبون إلى ذلك لمصلحة الدين أو نحو ذلك مما فيه مصلحة لنشر الدين ، وليس فيه فوات شيء على المسلمين ، أي كادوا يصرفونك عن بعض ما أوحيناه إليك مما هو مخالف لما سألوه .

فالموصول في قوله : { الذي أوحينا إليك } للعهد لما هو معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ما سأله المشركون من مخالفته . فهذه الآية مسوقة مساق المن على النبي بعصمة الله إياه من الخطأ في الاجتهاد ، ومساقَ إظهار مَلَل المشركين من أمر الدعوة الإسلامية وتخوفهم من عواقبها ، وفي ذلك تثبيت للنبيء وللمؤمنين وتأييس للمشركين بأن ذلك لن يكون .

وقوله : { لتفترى علينا غيره } متعلق ب { يفتنونك } ، واللام للعلة ، أي يفعلون ذلك إضماراً منهم وطمعاً في أن يفتري علينا غيره ، أي غير ما أوحي إليك . وهذا طمع من المشركين أن يستدرجوا النبي من سؤال إلى آخر ، فهو راجع إلى نياتهم . وليس في الكلام ما يقتضي أن النبي عليه الصلاة والسلام همّ بذلك كما فهمه بعض الفسرين ، إذ لام التعليل لا تقتضي أكثر من غرض فاعل الفعل المعلل ولا تقتضي غرض المفعول ولا علمه .

و ( إنْ ) من قوله : { وإن كادوا ليفتنونك } مخففة من ( إن ) المشددة واسمها ضمير شأن محذوف ، واللام في { ليفتنونك } هي اللام الفارقة بين ( إن ) المخففة من الثقيلة وبين ( إنْ ) النافية فلا تقتضي تأكيداً للجملة .

وجملة { وإذا لاتخذوك خليلاً } عطف على جملة { وإن كادوا ليفتنونك } . و ( إذاً ) حرف جزاء والنُّون التي بآخرها نون كلمة وليست تنوين تمكين فتكون جزاء لفعل { يفتنونك } بما معه من المتعلقات مقحماً بين المتعاطفين لتصير واو العطف مع ( إذا ) مفيدة معنى فاء التفريع .

ووجه عطفها بالواو دون الاقتصار على حرف الجزاء لأنه باعتبار كونه من أحوالهم التي حاوروا النبي عليه الصلاة والسلام فيها وألحوا عليه فناسب أن يعطف على جملة أحوالهم . والتقدير : فلو صرفوك عن بعض ما أوحينا إليك لاتخذوك خليلاً . واللام في قوله : { لاتخذوك } اللام الموطئة للقسم لأن الكلام على تقدير الشرط ، وهو لو صرفوك عن الذي أوحينا إليك لاتخذوك خليلاً .

واللام في قوله : { لاتخذوك } لام جواب ( لو ) إذ كان فعلاً ماضياً مثبتاً .

والخليل : الصديق . وتقدم عند قوله تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } في سورة [ النساء : 125 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

قوله تعالى : " وإن كادوا ليفتنونك " قال سعيد بن جبير : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تُلِمّ بآلهتنا . فحدث نفسه وقال : ( ما علي أن أُلِمّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره ) فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية ، قاله مجاهد وقتادة . وقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، وحرم وادينا كما حرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية . وقيل : هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد عنا هؤلاء السُّقَّاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك ، فهمَّ بذلك حتى نهي عنه . وقال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ، ويسودونه ويقاربونه ، فقالوا : إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس ، وأنت سيدنا ياسيدنا ، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ، ثم عصمه الله من ذلك ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . ومعنى " ليفتنونك " أي يزيلونك . يقال : فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه ، قاله الهروي . وقيل يصرفونك ، والمعنى واحد . " عن الذي أوحينا إليك " أي حكم القرآن ؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن . " لتفتري علينا غيره " أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك ، وهو قول ثقيف : وحرم وادينا كما حرمت مكة ، شجرها وطيرها ووحشها ، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك . " وإذا لاتخذوك خليلا " أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا ، أي والوك وصافوك ، مأخوذ من النخلة ( بالضم ) وهي الصداقة لممايلته لهم . وقيل : " لاتخذوك خليلا " أي فقيرا . مأخوذ من الخلة ( بفتح الخاء ) وهي الفقر لحاجته إليهم .