التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا} (33)

قوله { والسَّلامُ عليَّ يَوْم وُلِدتُّ } إلى آخره ، تنويه بكرامته عند الله ، أجراه على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربّه ، والقول فيه تقدّم في آية ذكر يحيى .

وجيء بالسَّلامُ هنا معرّفاً باللام الدالة على الجنس مبالغة في تعلّق السلام به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه . وهذا مؤذن بتفضيله على يحيى إذ قيل في شأنه { وسَلام عليه يومُ ولد } [ مريم : 15 ] ، وذلك هو الفرق بين المعرّف بلام الجنس وبين النكرة .

ويجوز جعل اللام للعهد ، أي سلام إليه ، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته . ومن هذا القبيل السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [ الأحزاب : 56 ] ، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة من قول المتشهد : « السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته » .

ومؤذن أيضاً بتمهيد التّعريض باليهود إذ طعنوا فيه وشتموه في الأحوال الثلاثة ، فقالوا : ولد من زنى ، وقالوا : مات مصلوباً ، وقالوا : يحشر مع الملاحدة والكفرة ، لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا} (33)

" والسلام علي " أي السلامة علي من الله تعالى . قال الزجاج : ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام . وقوله : " يوم ولدت " يعني في الدنيا . وقيل : من همز الشيطان كما تقدم في " آل عمران " . " ويوم أموت " يعني في القبر " ويوم أبعث حيا " يعني في الآخرة ؛ لأن له أحواله ثلاثة في الدنيا حيا ، وفي القبر ميتا ، وفي الآخرة مبعوثا ، فسلم في أحواله كلها وهو قول الكلبي . ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان . وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يحيى الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته{[10836]} فقالت : طوبى للبطن الذي حملك ، والثدي الذي أرضعك ، فقال لها عيسى عليه السلام : طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به .


[10836]:في جـ: زمانه.