التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا} (29)

أي أشارت إليه إشارة دلّت على أنها تُحيلهم عليه ليسألوه عن قصته ، أو أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها .

ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حِوارهم الواقع عقب الإشارة بجملة القول مفصولةً غير معطوفة .

والاستفهام : إنكار ؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم ، وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته ، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه السؤال ، لأن الحالتين تقتضيان التكلم .

وزيادة فعل الكون في { مَن كَان في المَهدِ } للدلالة على تمكن المظروفية في المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته ، وذلك مبالغة منهم في الإنكار ، وتعجب من استخفافها بهم . ففعل ( كان ) زائد للتوكيد ، ولذلك جاء بصيغة المضي لأن ( كان ) الزائدة تكون بصيغة الماضي غالباً .

وقوله { في المَهْدِ } خبر ( مَن ) الموصولة .

و { صَبِيّاً } حال من اسم الموصول .

و ( المَهْدِ ) فراش الصبي وما يمهد لوضعه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا} (29)

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا "

التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب " إني نذرت للرحمن صوما " وإنما ورد بأنها أشارت ، فيقوى بهذا قول من قال : إن أمرها ب " قولي " إنما أريد به الإشارة . ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها على جهة التقرير " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " و " كان " هنا ليس يراد بها الماضي{[10829]} ؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا ، وإنما هي في معنى هو [ الآن{[10830]} ] . وقال أبو عبيدة : ( كان ) هنا لغو ، كما قال{[10831]} :

وجِيرانٍ لنا كانوا كرامٍ

وقيل : هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله : " وإن كان ذو عسرة " {[10832]} وقد تقدم . وقال ابن الأنباري : لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت " صبيا " ولا أن يقال " كان " بمعنى حدث ؛ لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر ، تقول : كان الحرُّ وتكتفي به . والصحيح أن " من " في معنى الجزاء و " كان " بمعنى يكن ، التقدير : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه ؟ ! كما تقول : كيف أعطي من كان لا يقبل عطية ، أي من يكن لا يقبل . والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء ، كقوله تعالى " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار " {[10833]} أي إن يشأ يجعل . وتقول : من كان إلي منه إحسان كان إليه مني مثله ، أي من يكن منه إلي إحسان يكن إليه مني مثله . " والمهد " قيل : كان سريرا كالمهد وقيل " المهد " ههنا حجر الأم . وقيل : المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره .


[10829]:في جـ و ك: المعنى.
[10830]:الزيادة من كتب التفسير.
[10831]:هو الفرزدق، وصدر البيت: * فكيف إذا رأيت ديار قوم *
[10832]:راجع جـ 3 ص 371.
[10833]:راجع جـ 13 ص 6.