التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (35)

جملة { مَا كَانَ لله أنْ يتَّخِذْ من ولد } تقرير لمعنى العبودية ، أو تفصيل لمضمون جملة { الذي فيه يمترون } فتكون بمنزلة بدل البعض أو الاشتمال منها ، اكتفاءً بإبطال قول النصارى بأن عيسى ابن الله ، لأنه أهم بالإبطال ، إذ هو تقرير لعبودية عيسى وتنزيه لله تعالى عما لا يليق بجلال الألوهيّة من اتخاذ الولد ومن شائبة الشرك ، ولأنه القول الناشيء عن الغلوّ في التقديس ، فكان فيما ذكر من صفات المدح لعيسى ما قد يقوي شبهتهم فيه بخلاف قول اليهود فقد ظهر بطلانه بما عُدد لعيسى من صفات الخير .

وصيغة { ما كان لله أن يتّخذ } تفيد انتفاء الولد عنه تعالى بأبلغ وجه لأنّ لام الجحود تفيد مبالغة النّفي ، وأنه مما لا يلاقي وجود المنفي عنه ، ولأن في قوله : { أن يتخذَ } إشارة إلى أنه لو كان له ولد لكان هو خَلَقَه ، واتّخذه فلم يَعْدُ أن يكون من جملة مخلوقاته ، فإثبات البنوّة له خُلْف من القَوْل .

وجملة { إذا قَضَى أمراً إنما يَقُولُ لهُ كُن فيَكُونُ } بيان لجملة { ما كان لله أن يتَّخِذ من ولدٍ } ، لإبطال شبهة النصارى إذ جعلوا تكوين إنسان بأمر التكوين عن غير سبب معتاد دليلاً على أن المكوّن ابن لله تعالى ، فأشارت الآية إلى أن هذا يقتضي أن تكون أصول الموجودات أبناء لله وإن كان ما يقتضيه لا يخرج عن الخضوع إلى أمر التكوين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (35)

قوله تعالى : " ما كان لله " أي ما ينبغي له ولا يجوز " أن يتخذ من ولد " " من " صلة للكلام ؛ أي أن يتخذ ولدا . و " أن " في موضع رفع اسم " كان " أي ما كان لله أن يتخذ ولدا ، أي ما كان من صفته اتخاذ الولد ، ثم نزه نفسه تعالى عن مقالتهم فقال : " سبحانه " أن يكون له " إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " تقدم في البقرة{[10847]} مستوفى .


[10847]:راجع جـ 2 ص 87 فما بعد.