التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

قوله : { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا } إفضاء إلى التشريع بعد أن قُدم أمامَه من الموعظة ما هيّأ النفوس إليه . فإن كان قوله : { وأحل الله البيع وحرم الربوا } [ البقرة : 275 ] من كلام الذين قالوا : { إنما البيع مثل الربوا } [ البقرة : 275 ] فظاهر ، وإن كان من كلام الله تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد ، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود ، وما تقدم كلّه وصف لحال أهل الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم .

وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب ؛ ولأن ترك الربا من جملتها . فهو كالأمرِ بطريق برهاني .

ومعنى { وذروا ما بقي من الربوا } الآية اتركوا ما بقي في ذم الذين عاملتموهم بالربا ، فهذا مقابل قوله : « فله ما سلف » ، فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأموراً بتركه .

قيل نزلت هذه الآية خطاباً لثقيف أهل الطائف إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة وبعد حصار الطائف على صلح وقع بينهم وبين عتّاب بن أسَيْد الذي أولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعد الفتح بسبب أنّهم كانت لهم معاملات بالربا مع قريش ، فاشترطت ثقيف قبل النزول على الإسلام أنّ كل ربا لهم على الناس يأخذونه ، وكل ربا عليهم فهو موضوع ، وقبل منه رسول الله شَرْطَهم ، ثم أنزل الله تعالى هذه الآية خطاباً لهم وكانوا حديثي عهد بإسلام فقالوا : لا يَدَيْ{[201]} لنا بحرب الله ورسوله .

فقوله : { إن كنتم مؤمنين } معناه إن كنتم مؤمنين حقاً ، فلا ينافي قوله : { يأيها الذين آمنوا } إذ معناه يأيها الذين دخلوا في الإيمان ، واندفعت أشكالات عرضت .


[201]:- أي لا قدوة لنا، فاليدان مجاز في القدرة، لأنهما آلتها، وأصله : لا يدين لنا، فعاملوا المجرور معاملة المضاف إليه كما في قولهم: لا ابا له، بإثبات ألف أبا، قاله ابن الحاجب. وقال غيره:اللام مقحمة بين المضاف والمضاف إليه.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

التاسعة والعشرون : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا . وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقيف ، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميين . فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب ، فعلمت بها ثقيف فكفت . هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم . والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه .

الموفية ثلاثين : قوله تعالى : " إن كنتم مؤمنين " شرط محض في ثقيف على بابه ؛ لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام . وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة{[2612]} نفسه : إن كنت رجلاً فافعل كذا . وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن " إنْ " في هذه الآية بمعنى " إذ " . قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة . وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد " يا أيها الذين آمنوا " بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء " ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا ينفع الأول إلا بهذا . وهذا مردود بما روي في سبب الآية .


[2612]:- أي إثارة نفسه.