التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

لما اهتم القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم فابتدأ بما به قوام عامّتهم من مواساة الفقير وإغاثة الملهوف ، ووضّح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر ، ثم عطف عليه التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد ، ثلّث ببيان التوثّقات المالية من الإشهاد ، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان . وإنّ تحديد التوثّق في المعاملات من أعظم وسائل بثّ الثقة بين المتعاملين ، وذلك من شأنه تكثير عقود المعاملات ودوران دولاب التموّل .

والجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على غرمَاء أهل الربا .

والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة ، ولأنّ المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبل به بعد حين ، فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله ، فشرّع الله تعالى للناس بَقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أنّ تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كلّه . وأفاد ذلك التشريعَ بوضعه في تشريع آخر مكمّل له وهو التوثّق له بالكتابة والإشهاد .

والخطاب موجّه للمؤمنين أي لمجموعهم ، والمقصود منه خصوص المتداينين ، والأخصّ بالخطاب هو المدين لأنّ من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله . فعلى المستقرِض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن ، ويؤخذ هذا مما حكاه الله في سورة القَصص عن موسى وشعيب ، إذ استأجرَ شعيبٌ موسى . فلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى : « واللَّهُ على ما نَقول وكيل » ، فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسألَه شعيب ذلك .

والتداين تفاعل ، وأطلق هنا مع أنّ الفعل صادر من جهة واحدة وهي جهة المُسَلِّف لأنّك تقول ادّان منه فَدانَه ، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم مجموع الأمة ؛ لأنّ في المجموع دائناً ومديناً ، فصار المجموع مشتملاً على جانبين . ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تَداينت من زيد .

وزيادة قيد { بدين } إما لِمجرد الإطناب ، كما يقولون رأيتُه بعيني ولمَسته بيدي ، وإما ليكون معاداً للضمير في قوله فاكتبوه ، ولولا ذكره لقال فاكتبوا الدّين فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنّه أبين لتنويع الدين إلى مؤجّل وحالّ ، قاله في « الكشاف » .

وقال الطيبي عن صاحب الفرائد : يمكن أن يظنّ استعمال التداين مجازاً في الوعد كقول رؤبة :

داينتُ أرْوَى والديونُ تُقضَى *** فمطَلَتْ بعضاً وأدّت بعضاً

فذكر قوله « بدين » دفعاً لتوهم المجاز . والدين في كلام العرب العوض المؤخّر قال شاعرهم :

وعدَتْنَا بدرهمَيْنَا طِلاء *** وشِواءً معجّلا غيرَ دَيْن

وقوله : { إلى أجل مسمى } طلب تعيين الآجال للديون لئلاّ يقعوا في الخصومات والتداعي في المرادات ، فأدمج تشريع التأجيل في أثناء تشريع التسجيل .

والأجل مدة من الزمان محدودة النهاية مجعولة ظرفاً لعمل غير مطلوب فيه المبادرة ، لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة أو في أثنائها .

والأجل اسم وليس بمصدر ، والمصدر التأجيل ، وهو إعطاء الأجل . ولما فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير ، وقد تقدم في قوله تعالى : { فإذا بلغن أجلهن } [ البقرة : 234 ] وقوله : { حتى يبلغ الكتاب أجله } [ البقرة : 235 ] .

والمُسمّى حقيقته المميّز باسم يميّزه عمّا يشابهه في جنسه أو نوعه ، فمنه أسماء الأعلام وأسماء الأجناس ، والمسمّى هنا مستعار للمعيّن المحدود ، وإنّما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس ، فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم بجامع التعيين ؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلاّ بذلك ، فأطق عليه لفظ التسمية ، ومنه قول الفقهاء المَهر المسمى . فالمعنى أجل معيّن بنهايته . والدين لا يكون إلاّ إلى أجل ، فالمقصود من وصف الدين بهذا الوصف ، هو وصف أجلٍ بمسمّى إدماجاً للأمر بتعيين الأجل .

وقوله : { بدين إلى أجل مسمى } يعمّ كل دين : من قرض أو من بيع أو غير ذلك . وعن ابن عباس أنّها نزلت في السلَم يعني بيعَ الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجلٍ وكان السلَم من معاملات أهل المدينة . ومعنى كلامه أنّ بيع السلم سبب نزول الآية ، ومن المقرر في الأصول أنّ السبب الخاص لا يخصّص العموم .

والأمر في « فاكتبوه » قيل للاستحباب ، وهو قول الجمهور ومالكٍ وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وعليه فيكون قوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً } [ البقرة : 283 ] تكميلاً لمعنى الاستحباب . وقيل الأمر للوجوب ، قاله ابن جريج والشعبي وعطاء والنخعي ، وروي عن أبي سعيد الخدري ، وهو قول داوود ، واختاره الطبَري . ولعلّ القائلين بوجوب الإشهاد الآتي عند قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قائلون بوجوب الكتابة ، وعليه فقوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً } [ البقرة : 283 ] تخصيص لعموم أزمنة الوجوب لأنّ الأمر للتكرار ، لا سيما مع التعليق بالشرط ، وسمّاه الأقدمون في عباراتهم نسخاً .

والقصد من الأمر بالكتابة التوثّق للحقوق وقطع أسباب الخصومات ، وتنظيم معاملات الأمة ، وإمكان الاطّلاع على العقود الفاسدة . والأرجح أنّ الأمر للوجوب فإنّه الأصل في الأمر ، وقد تأكّد بهذه المؤكّدات ، وأنّ قوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً } الآية رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين كما سيأتي فإنّ حالة الائتمان حالة سالمة من تطرّق التناكر والخصام لأنّ الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة ، لئلاّ يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة ، ويظهر لي أنّ في الوجوب نفياً للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يَعُد المدينُ ذلك من سوء الظنّ به ، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين .

وقال ابن عطية : « الصحيح عدم الوجوب لأنّ للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع ، فكيف يجب عليه أن يكتبه ، وإنّما هو ندب للاحتياط » .

وهذا كلام قد يروج في بادىء الرأي ولكنّه مردود بأنّ مقام التوثّق غير مقام التبرّع .

ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا ثم يندموا وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضاً ، كما أنّ من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثّق دائنه إذا علم أنّه بأمر من الله ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام .

وقوله : { فاكتبوه } يشمل حالتين :

الأولى حالة كتابة المتداينين بخطّيهما أو خطّ أحدهما ويسلّمه للآخر إذا كانا يحسنانِ الكتابة معاً ، لأنّ جهل أحدهما بها ينفي ثقته بكتابة الآخر .

والثانية حالة كتابة ثالث يتوسّط بينهما . فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما ، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية . فكانت الأميّة بينهم فاشية ، وإنّما كانت الكتابة في الأنبار والحِيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلّمها قليلاً من مكة والمدينة .

وقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } أمر للمتداينِين بأن يوسّطوا كاتباً يكتب بينهم لأنّ غالب حالهم جهل الكتابة .

فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب . والعرب تعمد إلى المقصود فتنزّله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ليكن ولدُك مهذّباً ، وفي النهي لا تنس ما أوصيتُك ، ولا أعرِفَنَّك تفعلُ كذا .

فمتعلِّق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمراً للكاتب ، وأما أمر الكاتب فهو قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } .

وقوله : { بالعدل } أي بالحق ، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأنّ وجود الباء يصرف عن ذلك ، ونظيره قوله الآتي : { فليملل وليه بالعدل } .

ولذلك قصر المفسرون قوله : { فاكتبوه } على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنّه الغالب ، ولتعقيبه بقوله : وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، فإنّه كالبيان لكيفية فاكتبوه ، على أنّ كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه .

ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط ، فإنّ استكتاب الكاتب إنّما ينفع بقراءة خطه .

وقوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب } نهي لمن تطْلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دُعي إليها ، فهذا حكم آخر وليس تأكيداً لقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } لما علمت آنفاً من كون ذلك حكماً موجّهاً للمتداينين . وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم ، فالذي يدعي لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع . وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين ، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء والطبري ، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه . وقيل : إنّما تجب الإجابة وجوباً عينياً إذا لم يكن في الموضع إلاّ كاتب واحد ، فإن كان غيره فهو واجب على الكفاية وهو قول الحسن ، ومعناه أنّه موكول إلى ديانتهم لأنّهم إذا تمالؤوا على الامتناع أثموا جميعاً ، ولو قيل : إنّه واجب على الكفاية على من يعرف الكتابة من أهل مكان المتداينين ، وإنّه يتعيّن بتعيين طالب التوثق أحدَهم لكان وجيهاً ، والأحق بطلب التوثّق هو المستقرض كما تقدم آنفاً .

وقيل : إنّما يجب على الكاتب في حال فراغه ، قاله السُّدي . وقيل : هو منسوخ بقوله : { ولا يضارّ كاتب ولا شهيد } وهو قول الضحاك ، وروي عن عطاء ، وفي هذا نظر لأنّ الحضور للكتابة بين المتداينين ليس من الإضرار إلاّ في أحوال نادرة كبُعد مكان المتداينين من مكان الكاتب . وعن الشعبي وابن جريج وابن زيد أنّه منسوخ بقوله تعالى بعد هذا { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته } [ البقرة : 283 ] وسيأتي لنا إبطال ذلك .

وعلى هذا الخلاف يختلف في جواز الأجر على الكتابة بين المتداينين ، لأنّها إن كانت واجبة فلا أجر عليها ، وإلاّ فالأجر جائز .

ويلحق بالتداين جميع المعاملات التي يطلب فيها التوثّق بالكتابة والإشهاد ، وسيأتي الكلام على حكم أداء الشهادة عند قوله تعالى : { ولا يضارّ كاتب ولا شهيد } .

وقوله : { كما علمه الله } أي كتابة تشابه الذي علّمه الله أن يكتبها ، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة ، فهي مثل قوله : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } [ البقرة : 137 ] ، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنّها صفة لمصدر محذوف . و ( ما ) موصولة .

ومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب ، لأنّ الله ما علم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان ، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى ، وهذا يشير إليه قوله النبي صلى الله عليه وسلم " واستفتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس " .

ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه والعوضِ بمعوضه ، أي أن يكتب كتابة تكافىء تعليم الله إياه الكتابة ، بأن ينفع الناس بها شكراً على تيسير الله له أسباب علمها ، وإنّما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلّس ، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل كما في قوله تعالى : { وأحسن كما أحسن الله إليك } [ القصص : 77 ] وقوله : { واذكروه كما هداكم } [ البقرة : 198 ] .

والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على تأويل مصدر فِعل أنْ يَكْتُب بالمكتوب ، و ( ما ) على هذا الوجه مصدرية ، وعلى كلا الوجهين فهو متعلق بقوله : { أن يكتب } ، وجوّز صاحب « الكشاف » تعليقه بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية .

وقوله : { فليكتب } تفريع على قوله : { ولا يأب كاتب } ، وهو تصريح بمقتضى النهي وتكرير للأمر في قوله : { فاكتبوه } ، فهو يفيد تأكيدَ الأمر وتأكيدَ النهي أيضاً ، وإنّما أعيد ليُرتَّب عليه قولُه : { وليملل الذي عليه الحق } لبعد الأمر الأول بما وَلِيَه ، ومثله قوله تعالى :

{ اتخذوه } [ الأعراف : 148 ] بعد قوله : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلاً جسداً } [ الأعراف : 148 ] الآية .

وقوله : { وليُملل الذي عليه الحق } أمَلّ وأمْلَى لغتان : فالأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد ، والثانية لغة تميم ، وقد جاء القرآن بهما قال تعالى : { وليملل الذي عليه الحق } وقال : { فهي تملي عليه بكرة وأصيلا } [ الفرقان : 5 ] ، قالوا والأصل هو أمللّ ثم أبدلت اللاّم ياء لأنّها أخف ؛ أي عكسَ ما فعلوا في قولهم تقضّي البازي إذْ أصله تَقَضض .

ومعنى اللفظين أن يلقي كلاماً على سامعه ليكتبه عنه ، هكذا فسره في « اللِّسَان » و« القاموس » . وهو مقصور في التفسير أحسب أنّه نشأ عن حصر نظرهم في هذه الآية الواردة في غرض الكتابة ، وإلاّ فإن قوله تعالى في سورة الفرقان ( 5 ) : { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } تشهد بأنّ الإملاء والإملال يكونان لغرض الكتابة ولغرض الرواية والنقل كما في آية الفرقان ، ولغرض الحفظ كما يقال مَلّ المؤدب على الصبي للحفظ ، وهي طريقة تحفيظ العميان . فتحرير العبارة أن يفسر هذان اللفظان بإلقاء كلاممٍ ليُكتب عنه أو ليُروى أو ليُحفظ ، والحق هنا ما حقَّ أي ثبت للدائن .

وفي هذا الأمر عبرة للشهود فإنّ منهم من يكتبون في شروط الحُبُس ونحوه ما لم يملله عليهم المشهود عليه إلاّ إذا كان قد فوّض إلى الشاهد الإحاطة بما فيه توثقه لحقّه أو أوقفه عليه قبل عقده على السدارة .

والضميران في قوله : { وليتق } ، وقوله : { ولا يبخس منه } يحتمل أن يعودا إلى الذي عليه الحق لأنّه أقرب مذكور من الضميرين ، أي لا يُنقصْ ربّ الدين شيئاً حينَ الإملاء ، قاله سعيد بن جبير ، وهو على هذا أمر للمدين بأن يقرّ بجميع الدين ولا يغبن الدائن . وعندي أنّ هذا بعيد إذ لا فائدة بهذه الوصاية ؛ فلو أخفى المدين شيئاً أو غبن لأنكر عليه ربُّ الديْن لأنّ الكتابة يحضرها كلاهما لقوله تعالى : { وليكتب بينكم } . ويحتمل أن يعود الضميران إلى { كاتب } بقرينة أنّ هذا النهي أشدّ تعلّقاً بالكاتب ؛ فإنّه الذي قد يغفل عن بعض ما وقع إملاؤه عليه .

والضمير في قوله : { منه } عائد إلى الحق وهو حق لكِلاَ المتداينين ، فإذا بخس منه شيئاً أضرّ بأحدهما لا محالة ، وهذا إيجاز بديع .

والبخْس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنّه أخصّ من النقص ، فهو نقص بإخفاء . وأقربُ الألفاظ إلى معناه الغبن ، قال ابن العربي في الأحكام في سورة الأعراف : « البخس في لسان العرب هو النقص بالتعْييب والتزهِيدِ ، أو المخادعة عن القيمة ، أو الاحتيال في التزيّد في الكيل أو النقصان منه » أي عن غفلة من صاحب الحق ، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأنّ المراد النهي عن النقص من الحق عن غفلة من صاحبه ، ولذلك نُهي الشاهد أو المدين أو الدائن ، وسيجيء في سورة الأعراف عند قوله تعالى : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } [ الأعراف : 85 ] .

وقوله : { فإن كان عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً } السفيه هو مختلّ العقل ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس } [ البقرة : 142 ] .

والضعيف الصغير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وله ذرية ضعفاء } [ البقرة : 266 ] .

والذي لا يستطيع أن يملّ هو العاجز كمن به بَكَم وعمًى وصمَمٌ جميعاً .

ووجه تأكيد الضمير المسْتتر في فعل يُملّ بالضمير البارز هو التمهيد لقوله : { فليملل } لئلا يتوهّم الناس أنّ عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما يستدينه ، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة . والولي من له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يملّ كالأب والوصيّ وعرفاء القبيلة ، وفي حديث وفد هوازن : قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم « لِيَرْفَعْ إلَيّ عُرفَاؤُكم أمْرُكم » وكان ذلك في صدر الإسلام وفي الحقوق القَبَلِيَّةِ .

ومعنى { بالعدل } أي بالحق . وهذا دليل على أنّ إقرار الوصي والمقدّم في حق المولّى عليه ماضضٍ إذا ظهر سببه ، وإنّما لم يعمل به المتأخّرون من الفقهاء سدّاً للذريعة خشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء .

{ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى } .

عطف على { فاكتبوه } ، وهو غيره وليس بياناً له إذ لو كان بياناً لما اقترن بالواو . فالمأمور به المتداينون شيآن : الكتابة ، والإشهاد عليها . والمقصود من الكتابة ضبط صيغة التعاقد وشروطه وتذكر ذلك خشية النسيان . ومن أجل ذلك سمّاها الفقهاء ذُكْر الحق ، وتسمّى عَقداً قال الحارث بن حلزة :

حذر الجور والتطاخي وهل ين *** قض ما في المهارق الأهواء

قال تعالى : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة } [ البقرة : 283 ] ، فلم يجعل بين فقدان الكاتب وبين الرهن درجة وهي الشهادة بلا كتابة لأنّ قوله : { ولم تجدوا كاتباً } [ البقرة : 283 ] صار في معنى ولم تجدوا شهادة ، ولأجل هذا يجوز أن يكون الكاتب أحد الشاهدين . وإنّما جعَل القرآن كاتباً وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة .

{ واستشهدوا } بمعنى أشهدوا ، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد ، ولك أن تجعلهما للطلب أي اطلبوا شهادة شاهدين ، فيكون تكليفاً بالسعي للإشهاد وهو التكليف المتعلّق بصاحب الحق . ويكون قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } تكليفاً لمن يَطلب منه صاحبُ الحق أن يَشهد عليهما ألاّ يمتنع .

والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة ، والمراد بها هنا حضور خاص وهو حضور لأجل الاطّلاع على التداين ، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضورٍ لمشاهدة تعاقدٍ بين متعاقدَيْن أو لسماععِ عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحُبس . وتطلق الشهادة أيضاً على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه ، والاحتجاج به على من ينكره ، وهذا هو الوارد في قوله : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } [ النور : 4 ] .

وجَعَل المأمورَ به طلب الإشهاد لأنّه الذي في قدرة المكلّف وقد فهم السامع أنّ الغرض من طلب الإشهاد حصوله .

ولهذا أمَرَ المستشهَدَ بفتح الهاء بعد ذلك بالامتثال فقال : { ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا } .

والأمر في قوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قيل للوجوب ، وهو قول جمهور السلف ، وقيل للندب ، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين : مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } .

وقوله : { من رجالكم } أي من رجال المسلمين ، فحصل به شرطان : أنّهم رجال ، وأنّهم ممّن يشملهم الضمير .

وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يأيها الذين آمنوا .

وأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم .

والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث ، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان ، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام . فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا ، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي . فإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين ، فتوَهَم أَتْباعهم دحضها . وقد حكى الله عنهم أنّهم قالوا : « ليس علينا في الأمّيين سبيل » . وهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب ، ولم نر في دين من الأديان التصريحَ بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام ، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فماذا يرجَى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصْرانية تابعة لأحكام التوراة . على أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالاً فيما يأمرهم به في شأنهم .

وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة « ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل » . وفي « البخاري » ، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز . وما روي عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري : أنّ نفراً من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلاً ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكَوْا إليه ، فقال لهم : " تأتون بالبيّنة على من قتله " قالوا : « ما لنا بيّنة » ، قال : " فتحلف لكم يهودُ خمسين يميناً " قالوا : « ما يُبالُون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون » ، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطل دمَه ووَدَاه من مال الصدقة .

فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الأنصار في اليهود : إنّهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون .

فإن قلت : كيف اعتدتّ الشريعة بيمين المدّعى عليه من الكفار ، قلت : اعتدّت بها لأنّها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى ، فرأتْها الشريعة خيراً من إهمال الدعوى من أصلها .

ولأجل هذا اتّفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر ، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في السفر ، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير المسلمين في الوصية في السفر ، وقضى به أبو موسى الأشعري مدّة قضائه في الكُوفة ، وهو قول أحمدَ وسفيانَ الثوري وجماعة من العلماء ، وقال الجمهور : لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أنّ ما في آية الوصية منسوخ ، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي ، واختلفوا في شهادة بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو حنيفة ناظراً في ذلك إلى انتفاء تهمة تساهلهم بحقوق المسلمين ، وخالَفه الجمهور ، والوجه أنّه يتعذّر لقاضي المسلمين معرفة أمانة بعضهم مع بعض وصدق أخبارهم كما قدمناه آنفاً .

وظاهر الآية قبول شهادة العبد العدل وهو قول شريح وعثمان البَتِّي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وعن مجاهد : المراد الأحرار ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ، والذي يظهر لي أنّ تخصيص العبيد من عموم الآية بالعرف وبالقياس ، أما العرف فلأنّ غالب استعمال لفظ الرجل والرجال ألاّ يرد مُطلقاً إلاّ مراداً به الأحرار ، يقولون : رجال القبيلة ورجال الحي ، قال محكان التميمي :

يا رَبَّةَ البيتِ قُومي غيرَ صاغِرة *** ضُمي إليكِ رِجَالَ الحَيِّ والغُرَبا

وأما القياس فلعدم الاعتداد بهم في المُجتمع لأنّ حالة الرقّ تقطعهم عن غير شؤون مالكيهم فلا يضبطون أحوال المعاملات غالباً ؛ ولأنّهم ينشؤون على عدم العناية بالمروءة ، فترك اعتبار شهادة العبد معلُول للمظنّة وفي النفس عدم انثلاج لِهذا التعليل .

واشتُرط العددُ في الشاهد ولم يكتف بشهادة عدل واحد لأنّ الشهادة لما تعلّقت بحق معيّن لمعيّن اتّهم الشاهد باحتمال أن يتوسّل إليه الظالم الطالب لحق مزعوم فيحمله على تحريف الشهادة ، فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة فاشترط فيه الإسلام وكفى به وازعاً ، والعدالة لأنّها تزع من حيث الدين والمروءة ، وزِيد انضمام ثانٍ إليه لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور . فثبت بهذه الآية أنّ التعدّد شرط في الشهادة من حيث هي ، بخلاف الرواية لانتفاء التهمة فيها إذ لا تتعلق بحقّ معيّن ، ولهذا لو روَى راوٍ حديثاً هو حجة في قضية للراوي فيها حق لَمَا قُبلت روايتُه ، وقد كلف عُمَرُ أبا موسى الأشعريّ أن يأتي بشاهد معه على أنّ رسول الله قال : « إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ولم يؤذن له فليرجع » إذ كان ذلك في ادّعاء أبي موسى أنّه لما لم يأذنْ له عُمَر في الثالثة رجَع ، فشهد له أبو سعيد الخدْري في ملإ من الأنصار .

والعدد هو اثنان في المعاملات المالية كما هنا .

وقوله : { فإن لم يكونا رجلين } أي لم يكن الشاهدَانِ رجلين ، أي بحيث لم يحضر المعاملة رجلان بل حضر رجل واحد ، فرجل وامرأتان يشهدان . فقوله : { فرجل وامرأتان } جواب الشرط ، وهو جزء جملة حُذف خبرها لأنّ المقدر أنسب بالخبرية ودليل المحذوف قوله : { واستشهدوا } وقد فهم المحذوف فكيفما قدّرْتَه ساغ لك .

وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكنْ رجلان لئلاّ يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلاّ عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم ، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين . وفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون ، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسياننِ لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب ، والضلال هنا بمعنى النسيان .

وقوله : { أن تضل } قرأه الجمهور بفتح همزة أنْ على أنّه محذوف منه لام التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أنْ ، والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين ، إذ لا نجد في هذه الجملة حكماً قد لا تطمئنّ إليه النفوس إلاّ جعْلَ عوضِ الرجل الواحد بامرأتين اثنتين فصُرح بتعليله . واللام المقدرة قبل أنْ متعلقة بالخبر المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل وامرأتان ، وقرأوه بنصب { فتذكّر } عطفاً على { أن تضلّ } ، وقرأه حمزة بكسر الهمزة على اعتبار إنْ شرطية وتضلّ فعل الشرط ، وبرفع تذكرُ على أنّه خبر مبتدأ محذوف بعد الفاء لأنّ الفاء تؤذن بأنّ ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي تذكّرها الأخرى على نحو قوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } [ المائدة : 95 ] .

ولما كان « أن تضلّ » في معنى لضلال إحداهما صارت العلّة في الظاهر هي الضلال ، وليس كذلك بل العلّة هي ما يترتّب على الضلال من إضاعة المشهود به ، فتفرّع عليه قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } لأنّ فتذكّر معطوف على تضلّ بفاء التعقيب فهو من تكملته ، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى : { أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } [ البقرة : 266 ] ، ونظيره كما في « الكشاف » أن تقول : أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعِّمَه ، وأعددت السلاح أن يجيءَ عدوّ فأدْفَعَه . وفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال : أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها . ووجَّهه صاحب « الكشاف » بأنّ فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلّل بأسبابه المفضية إليه لأجل تحصيله .

وادّعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة : أنّ من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة وكان للعلة علة قَدّموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة . ومثَّله بالمثال الذي مثَّل به « الكشاف » ، وظاهر كلامه أنّ ذلك مُلتزم ولم أره لِغيره .

والذي أراه أنّ سبب العدول في مثله أنّ العلة تارة تكون بسيطة كقولك : فعلت كذا إكراماً لك ، وتارة تكون مركّبة من دفع ضُر وجلب نَفْع بدفعِه . فهنالك يأتي المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازاً في الكلام كما في الآية والمثالين . لأنّ المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة المنفردة ، فلذا أخِذ بقولها حَقُّ المشهود عليه وقُصد تذكير المرأة الثانية إياها ، وهذا أحسن مما ذكره صاحب « الكشاف » .

وفي قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول فتذكّرها الأخرى ، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا يتعيّن شخص المقصود بهما ، فكيفما وضعتَهما في موضعي الفاعل والمفعول كان المعنى واحداً ، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحاً سواء كان قوله أحداهما المظهر فاعلاً أو مفعولاً به ، فلا يظنّ أن كَون لفظ إحداهما المظهر في الآية فاعلاً ينافي كونه إظهاراً في مقام الإضمار لأنّه لو أضمر لكان الضمير مفعولاً ، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنّه التفتازاني لأنّ المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتّحاد المعنى . وهو موجود في الآية كما لا يخفى .

ثم نكتة الإظهار هنا قد تحيّرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرّض لها المتقدمون ، قال التفتازاني في « شرح الكشاف » : « ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرير لفظ إحداهما ، ولا خفاء في أنّه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكِّرة هي الناسية إلاّ أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ، ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس ، ويصح أن يقال : فتذكرها الأخرى ، فلا بد للعدول من نكتة » . وقال العصام في « حاشية البيضاوي » « نكتة التكرير أنّه كان فصل التركيب أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، فلما قدّم إن ضلّت وأبرز في معرض العلّة لم يصح الإضمار ( أي لعدم تقدم إمعاد ) ولم يصح أن تضلّ الأخرى لأنّه لا يحسن قبل ذكر إحداهما ( أي لأنّ الأخرى لا يكون وصفاً إلاّ في مقابلة وصف مقابل مذكور ) فأبدل بإحداهما ( أي أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما ) ولم يغيّر ما هو أصل العلّة عن هيأته لأنّه كأن لم يقدم عليه ، { أن تضلّ إحداهما } يعني فهذا وجه الإظهار .

وقال الخفاجي في « حاشية التفسير » « قالوا : إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير ، فدخل الكلام في معنى العموم » يعني أنّه أظهر لئلاّ يتوهم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلاّ مذكِّرة الأخرى ، فلا تكون شاهدة بالأصالة .

وأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجّهه إليه الخفاجي ، وهذا السؤال :

يا رأس أهل العلوم السادةِ البـرره *** ومَن نداه على كل الورى نَشَـره

ما سِرُّ تَكْرَار إحدَى دون تُذْكِرُهـا *** في آية لذوي الأشهاد في البقـره

وظاهر الحال إيجاز الضمير علـى *** تكرار إحداهما لو أنّه ذكـــره

وحَمل الإحدى على نفس الشهادة في *** أولاهما ليس مرضياً لدى المهره

فغُص بفكرك لاستخراج جوهــره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره

فأجاب الغزنوي :

يا من فوائده بالعلم منتشره *** ومَن فضائله في الكون مشتهره

تَضلَّ إحداهما فالقولُ محتمل *** كِلَيهما فهي للإظهار مفتقره

ولو أتى بضمير كان مقتضيا *** تعيين واحدة للحكم معتبره

ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ فهو كما *** أشرتُم ليس مرضيا لمن سبَره

هذا الذي سمح الذهن الكليل به *** واللَّهُ أعلم في الفحوى بما ذكره

وقد أشار السؤال والجواب إلى ردّ على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره ؛ إذ جعل إحداهما الأولَ مراداً به إحدى الشهادتين ، وجعل تضلّ بمعنى تتلف بالنسيان ، وجعل إحداهما الثاني مراداً به إحدى المرأتين . ولما اختلف المدلول لم يبق إظهار في مقام الإضمار ، وهو تكلّف وتشتيت للضمائر لا دليل عليه ، فينزّه تخريج كلام الله عليه ، وهو الذي عناه الغزنوي بقوله : « ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ إلخ » .

والذي أراه أنّ هذا الإظهار في مقام الإضمار لنكتة هي قصد استقلال الجملة بمدلولها كيلا تحتاج إلى كلام آخر فيه مَعاد الضمير لَو أضمر ، وذلك يرشّح الجملة لأن تَجري مَجرى المثل . وكأنّ المراد هنا الإيماء إلى أنّ كلتا الجملتين علّة لمشروعية تعدّد المرأة في الشهادة ، فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه ، والتعدد مظنّة لاختلاف مواد النقص والخلل ، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى . فقوله أن تضلّ تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة ، وقوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } تعليل لإشهاد امرأة ثانية حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها .

{ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ } .

عُطف { ولا يأب } على { واستشهدوا شهيدين } لأنّه لما أمر المتعاقدين باستشهاد شاهدين نَهى من يُطلب إشهاده عن أن يأبَى ، ليتم المطلوب وهو الإشهاد .

وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي اهتماماً بما فيه التفريط . فإنّ المتعَاقدين يظنّ بهما إهمال الإشهاد فأمرا به ، والشهود يظنّ بهم الامتناع فنهوا عنه ، وكل يستلزم ضدّه .

وتسمية المدعوِّينَ شهداء باعتبار الأوّل القريببِ ، وهو المشارفة ، وكأنَّ في ذلك نكتة عظيمة : وهي الإيماء إلى أنّهم بمجرّد دعوتهم إلى الإشهاد ، قد تعيّنت عليهم الإجابة ، فصاروا شهداء .

وحذف معمول دُعوا إمّا لظهوره من قوله قبله { واستشهدوا شهيدين } أي إذا ما دعوا إلى الشهادة أي التحمّل ، وهذا قول قتادة ، والربيع بن سليمان ، ونقل عن ابن عباس ، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل بالأوْلى ، ويجوز أن يكون حذف المعمول لقصد العموم ، أي إذا ما دعوا للتحمّل والأداء معاً ؛ قاله الحسن ، وابن عباس ، وقال مجاهد : إذا ما دعوا إلى الأداء خاصة ، ولعلّ الذي حمله على ذلك هو قوله : { الشهداء } لأنّهم لا يكونون شهداء حقيقة إلاّ بعد التحمّل ، ويبعده أنّ الله تعالى قال بعد هذا

{ ولا تكتموا الشهادة } [ البقرة : 283 ] وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة للأداء .

والذي يظهر أنّ حذف المتعلِّق بفعل { دعوا } لإفادة شمول ما يُدعَون لأجله في التعاقد : من تحمّل ، عند قصد الإشهاد ، ومن أداء ، عند الاحتياج إلى البيّنة . قال ابن الحاجب : « والتحمّل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو البريدين إن كانا اثنين فرضُ عين ، ولا تحِلُّ إحالته على اليمين » .

والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله : { ولا يأب كاتب } ويظهر أنّ التحمّل يتعيّن بالتعيين من الإمام ، أو بما يعينه ، وكان الشأن أن يكون فرض عين إلاّ لِضرورة فينتقل المتعاقدان لآخر ، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا مضرة فيه على الشاهد في بدنه ، أو ماله ، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية إلاّ إذا تعيَّن عليه : بأن لا يوجد بَدَلُه ، وإنّما يجب بشرط عدالة القاضي ، وقرب المكان : بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه ، وعِلْمِه بأنّه تقبل شهادته ، وطلب المدّعي . وفي هذه التعليقات ردّ بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود ، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه .

قال القرطبي : « يؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهوداً ، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال ، فلا يكون لهم شغل إلاّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها » . قلت : وقد أحسن . قضاة تونس المتقدّمون ، وأمراؤها ، في تعيين شهود مُنتصبين للشهادة بين الناس ، يؤخذون ممّن يقبلهم القضاة ويعرفونهم بالعدالة ، وكذلك كان الأمر في الأندلس ، وذلك من حسن النظر للأمة ، ولم يكن ذلك متّبعاً في بلاد المشرق ، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء وضبطهم للشروط وكَتب الوثائق فيعتمدهم القضاة ، ويكلون إليهم ما يجري في النوازِل من كتابة الدعوى والأحكام ، وكان ممّا يعدّ في ترجمة بعض العلماء أن يقال : كان مقبولاً عند القاضي فلان .

{ وَلاَ تسئموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ } .

تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها ، فالصغير والكبير هنا مَجازان في الحقير والجليل . والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة ، فلذلك نُهوا عن السآمة هنا . والسآمة : الملل من تكرير فعلٍ مَّا .

والخطاب للمتداينين أصالة ، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب : لأنّ المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب .

والنهي عنها نهي عن أثرها ، وهو ترك الكتابة ، لأنّ السآمة تحصل للنفس من غير اختيار ، فلا ينهى عنها في ذاتها ، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون .

وانتصب صغيراً أو كبيراً على الحال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، أو على حذف كانَ مع اسمها . وتقديم الصغير على الكبير هنا ، مع أنّ مقتضى الظاهر العكس ، كتقديم السِنة على النوم في قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } [ البقرة : 255 ] لأنّه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ من التوهّمات في قلة الاعتناء بالصغير ، وهو أكثر ، أو اعتقاد عدم وجوب كتابة الكبير ، لو اقتصر في اللفظ على الصغير .

وجملة { إلى أجله } حال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، أي مُغيَّى الدّينُ إلى أجله الذي تعاقدا عليه ، والمراد التغيية في الكتابة .

{ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وأدنى أَلاَّ ترتابوا } .

تصريح بالعلة لتشريع الأمر بالكتابة : بأنّ الكتابة فيها زيادة التوثّق ، وهو أقسط أي أشدّ قسطاً ، أي عدلاً ، لأنّه أحفظ للحق ، وأقوم للشهادة ، أي أعون على إقامتها ، وأقرب إلى نفي الريبة والشك ، فهذه ثلاث علل ، ويستخرج منها أنّ المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بيّنة ، واضحة ، بعيدة عن الاحتمالات ، والتوهّمات . واسم الإشارة عائد إلى جميع ما تقدم باعتبار أنّه مذكور ، فلذلك أشير إليه باسم إشارة الواحد .

وفي الآية حجّة لجواز تعليل الحكم الشرعي بعلل متعدّدة وهذا لا ينبغي الاختلاف فيه .

واشتقاق { أقْسَطُ } من أقْسَطَ بمعنى عدل ، وهو رباعي ، وليس من قَسَط لأنّه بمعنى جَار ، وكذا اشتقاق { أقْوَمُ } من أقام الشهادةَ إذا أظهرها جارٍ على قول سيبويه بجواز صوغ التفضيل والتعجّب من الرباعي المهموز ، سواء كانت الهمزة للتعدية نحو أعطى أم لغير التعدية نحو أفْرط . وجوّز صاحب « الكشّاف » أن يكون أقسط مشتقاً من قاسط بمعنى ذي قسط أي صيغةِ نسب وهو مشكل ، إذ ليس لهذه الزنة فعل . واستشكل أيضاً بأنّ صوغه من الجامد أشدّ من صوغه من الرباعي . والجواب عندي أنّ النسبَ هنا لما كان إلى المصدر شابَه المشتق : إذ المصدر أصل الاشتقاق ، وأن يكون أقوم مشتقاً من قام الذي هو محوّل إلى وزن فَعُلَ بضم العين الدال على السجيّة ، الذي يجيء منه قويم صفة مشبّهة .

{ إِلاَ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُم فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } .

استثناء من عموم الأحوال أو الأكوان في قوله : { صغيراً أو كبيراً } . وهو استثناء ؛ قيل منقطع ، لأنّ التجارة الحاضرة ليست من الدين في شيء ، والتقدير : إلاّ كونَ تجارةٍ حاضرة .

والحاضرة الناجزة ، التي لا تأخير فيها ، إذ الحاضر ، والعاجل ، والناجز : مترادفة . والدين ، والأجل ، والنّسيئة : مترادفة .

وقوله : { تديرونها بينكم } بيان لجملةِ { أن تكون تجارة حاضرة } بل البيان في مثل هذا ، أقرب منه في قول الشاعر ممّا أنشده ابن الأعرابي في نوادره ، وقال العيني : ينسب إلى الفرزدق :

إلى الله أشكُو بالمدينةِ حاجة *** وبالشَّام أخرى كيفَ يلتقيان

إذ جعل صاحب « الكشاف » كيفَ يلتقيان بياناً لحاجةٍ وأخرى ، أو تجعل { تديرونها } صفة ثانية لتجارة في معنى البيان ، ولعلّ فائدة ذكره الإيماءُ إلى تعليل الرخصة في ترك الكتابة ، لأنّ إدارتها أغنت عن الكتابة . وقيل : الاستثناء متّصل ، والمراد بالتجارة الحاضرة المؤجّلة إلى أجل قريب ، فهي من جملة الديون ، رخص فيها ترك الكتابة بها ، وهذا بعيد .

وقوله : { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } تصريح بمفهوم الاستثناء ، مع ما في زيادة قوله : { جُناح } من الإشارة إلى أنّ هذا الحكم رخصة ، لأنّ رفع الجناح مؤذن بأنّ الكتابة أولى وأحسن .

وقرأ الجمهور تجارةٌ بالرفع : على أنّ تكونَ تامة ، وقرأه عاصم بالنصب : على أنّ تكونَ ناقصة ، وأنّ في فعل تكون ضميراً مستتراً عائداً على ما يفيده خبر كان ، أي إلاّ أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرة ، كما في قول عَمّرو بن شاس -أنشده سيبويه :

بنِي أسد هل تعلمون بلاءَنَا *** إذَا كان يوماً ذَا كَوَاكِبَ أشْنَعا

تقديره إذا كان اليومُ يوماً ذا كواكب ، وقوله : { ألا } أصله أن لا فرسم مدغماً .

{ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ } .

تشريع للإشهاد عند البيع ولو بغير دين إذا كان البيع غيرَ تجارة حاضرة ، وهذا إكمال لصور المعاملة : فإنّها إمّا تداين ، أو آيل إليه كالبيع بدين ، وإمّا تناجز في تجارة ، وإمّا تناجز في غير تجارة كبيع العقار والعروض في غير التجر . وقيل : المراد بتبايعتم التجارة ، فتكون الرخصة في ترك الكتابة مع بقاء الإشهاد بدون كتابة ، وهذا بعيد جداً ، لأنّ الكتابة ما شُرعت إلاّ لأجل الإشهاد والتوثّق .

وقوله تعالى : { وأشهدوا } أمر : قيل هو للوجوب ، وهذا قول أبي موسى الأشعري ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخُدْري ، وسعيد بن المسيّب ، ومجاهد ، والضحّاك ، وعطاء ، وابن جريج ، والنخعي ، وجابر بن زيد ، وداوود الظاهري ، والطبري . وقد أشهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيع عبد باعه للعَدّاء بن خالد بن هوذة ، وكتَب في ذلك « باسم الله الرحمان الرحيم ، هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبداً لا داءَ ولا غائلة ولا خِبثة بيعَ المُسلم للمُسلم » وقيل : هو للندب وذهب إليه من السلف الحسن ، والشعبي ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وتمسّكوا بالسنّة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم باع ولم يُشهد ، قاله ابن العربي ، وجوابه : أنّ ذلك في مواضع الائتمان ، وسيجيء قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضاً } [ البقرة : 283 ] الآية وقد تقدم ما لابن عطية في توجيه عدم الوجوب ورَدُّنا له عند قوله تعالى : { فاكتبوه } .

{ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } .

نهي عن المضارّة وهي تحتمل أن يكون الكاتب والشهيد مصدراً للإضرار ، أو أن يكون المكتوب له والمشهود له مصدراً للإضرار : لأن يضارّ يحتمل البناء للمعلوم وللمجهول ، ولعلّ اختيار هذه المادة هنا مقصود ، لاحتمالها حكمين ، ليكون الكلام موجّهاً فيحمل على كلا معنييه لعدم تنافيهما ، وهذا من وجه الإعجاز .

والمضارّة : إدخال الضرّ بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحَرج والخسارة ، أو ما يجر إلى العقوبة ، وأن يوقع الشاهدان أحدَ المتعاقدين في إضاعة حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة . وقد أخذ فقهاؤنا من هاته الآية أحكاماً كثيرة تتفرّع عن الإضرار : منها ركوب الشاهد من المسافة البعيدة ، ومنها ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنّة النسيان ، ومنها استفساره استفساراً يوقعه في الاضطراب ، ويؤخذ منها أنّه ينبغي لولاة الأمور جعل جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف انتقال الشهود وإقامتهم في غير بلدهم وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقالِ من الخسائر المالية في إضاعة عائلاتهم ، إعانة على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة .

وقوله تعالى : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } حذف مفعول تفعلوا وهو معلوم ، لأنّه الإضرارُ المستفاد من لا يضارّ مثلُ « اعدلوا هو أقرب » والفسوق : الإثم العظيم ، قال تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } [ الحجرات : 11 ] .

{ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

أمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير ، وبها يكون ترك الفسوق . وقوله : { ويعلمكم الله } تذكير بنعمة الإسلام ، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة ، ونظام العالم ، وهو أكبر العلوم وأنفعها ، ووعدٌ بدوام ذلك لأنّه جيء فيه بالمضارع ، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم ، حتى قيل : إنّ الواو فيه للتعليل أي ليعلّمكم . وجعله بعضهم من معاني الواو ، وليس بصحيح .

وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث : لقصد التنويه بكلّ جملة منها حتى تكون مستقلّة الدلالةِ ، غيرَ محتاجة إلى غيرها المشتمل على معادِ ضميرها ، حتى إذا سمع السامع كلّ واحدة منها حصل له علم مستقلّ ، وقد لا يسمع إحداها فلا يضرّه ذلك في فهم أخراها ، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي :

اللُّؤْمُ أكْرَمُ من وَبْرٍ ووالدِهِ *** واللؤمُ أكرَمُ من وَبْرٍ ومَا وَلَدا

واللؤم داءٌ لوَبْرٍ يُقْتَلُونَ به *** لا يُقْتَلُونَ بدَاءٍ غيرِه أبـــدا

فإنّه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومَنْ وَلَدَها ، ومَا ولدته ، أظهر اللّؤم في الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها . هذا ، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل . وللتكرير مواقع يحسن فيها ، ومواقع لا يحسن فيها ، قال الشيخ في « دلائل الإعجاز » ، في الخاتمة التي ذكر فيها أنّ الذوق قد يدرك أشياء لا يُهتدى لأسبابها ، وأنّ ببعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل : « ومن ذلك ما حكي عن الصاحب أنّه قال : كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره ، قال الصاحب فدفع إليّ القصيدة التي أولها :

أتَحْتَ ضلوعي جمرةٌ تتوقّد *** على ما مضى أم حسْرة تتجدّد

وقال لي : تأمّلها ، فتأمَّلتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقِّط عليه وهو قوله :

بجَهْلٍ كجهل السيفِ والسيفُ منتضًى *** وحِلْمٍ كحلم السيف والسيفُ مُغْمَدُ

فقلت : لِمَ تركَ الأستاذُ هذا البيت ؟ فقال : لعلّ القلم تجاوزه ، ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرّاً من تركه ؛ فقال : إنّما تركته لأنّه أعادَ السيف أربع مرات ، قال الصاحب : لو لم يعده لفسد البيت ، قال الشيخ عبد القاهر : والأمر كما قال الصاحب ثم قال قاله أبو يعقوب : إنّ الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى : { وبالحق أنزلته وبالحق نزل } [ الإسراء : 105 ] وقوله : { قل هو الله أحد ، الله الصمد } [ الصمد : 1 ، 2 ] عَمَل لولاه لم يكن .

وقال الراغب : قد استكرهوا التكرير في قوله :

* فما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطِع النَّوَى *

حتى قيل : لو سلّط بعير على هذا البيت لرَعى ما فيه من النَّوى ، ثم قال : إنّ التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم ، أو التحقير ، في جمل متواليات كلّ جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى ، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير ، فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد ، وعبدُ القاهر موافقٌ للصاحب بن عباد ، قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد :

لَمَّا رَأيتُ الشيبَ لاح بياضُه *** بمَفرِقِ رأسي قُلتُ للشيب مرحبا

« كان الواجب أن يقول : قلت له مرحباً ، لكنّهم يكرّرون الأعلام وأسماءَ الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم » .

واعلم أنّه ليس التكرير بمقصور على التعظيم بل مقامه كلّ مقام يراد منه تسجيل انتساب الفعل إلى صاحب الاسم المكرّر ، كما تقدّم في بيتي الحماسة : « اللؤم أكرم من وبر » إلخ .

وقد وقع التكرير متعاقباً في قوله تعالى في سورة آل عمران ( 78 ) : { وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . }

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

فيه اثنتان وخمسون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم " الآية . قال سعيد بن المسيب{[2653]} : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين . وقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السلم خاصة . معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية ، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا . وقال ابن خويز منداد : إنها تضمنت ثلاثين حكما . وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض ، على ما قال مالك ، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات . وخالف في ذلك الشافعية وقالوا : الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون ، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجلا ، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه .

الثانية : قوله تعالى : " بدين " تأكيد مثل قوله " ولا طائر يطير بجناحيه " {[2654]} [ الأنعام : 38 ] . " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " {[2655]} [ الحجر : 30 ] . وحقيقة الدين : عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا ، والدين ما كان غائبا ، قال الشاعر :

وَعَدْتَنَا بدرهَمَيْنَا طِلاَءً *** وشِواءً مُعَجَّلا غير دَيْنِ

وقال آخر :

لترم بي المَنايا حيث شاءت *** إذا لم تَرْمِ بي في الحُفْرَتَيْنِ

إذا ما أوقدوا حطبا ونارا *** فذاك الموتُ نقداً غيرَ دَيْنِ

وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق " إلى أجل مسمى " .

الثالثة : قوله تعالى : " إلى أجل مسمى " قال ابن المنذر : دل قول الله " إلى أجل مسمى " على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز ، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى .

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) رواه ابن عباس . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما . وقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حَبَل الحَبَلة . وحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت . فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف ، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها . بكيل معلوم ، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة ، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه ، وسميا المكان الذي يقبض فيه الطعام . فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله .

قلت : وقال علماؤنا : إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز ، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم .

الرابعة : حدّ علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا : هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم . فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول ، ومن السلم في الأعيان المعينة ، مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها ، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر ، إذ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا .

وقولهم [ محصور بالصفة ] تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل ، كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة . وقولهم [ بعين حاضرة ] تحرز من الدين بالدين . وقولهم [ أو ما هو في حكمها ] تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه ، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر ، بشرط وبغير شرط لقرب ذلك ، ولا يجوز اشتراطه عليها . ولم يجز الشافعي ولا الكوفي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق ، ورأوا أنه كالصرف . ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما ، فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر . والله أعلم .

وقولهم إلى أجل معلوم تحرز من السلم الحال فإنه لا يجوز على المشهور وسيأتي . ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه .

الخامسة : السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب [ السَّلم ] ؛ لأن السلف يقال على القرض . والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق ، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك . وأرخص في السلم ؛ لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين ، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة ، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها ، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية ، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج ، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة ، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة . والله أعلم .

السادسة : في شروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة : ستة في المُسْلَم فيه ، وثلاثة في رأس مال السلم . أما الستة التي في المسلم فيه : فأن يكون في الذمة ، وأن يكون موصوفا ، وأن يكون مقدرا ، وأن يكون مؤجلا ، وأن يكون الأجل معلوما ، وأن يكون موجودا عند محل الأجل . وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم : فأن يكون معلوم الجنس ، مقدرا ، نقدا . وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم . قال ابن العربي : وأما الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة ؛ لأنه مداينة ، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد الناس إليه ربحا ورفقا . وعلى ذلك القول اتفق الناس . بيد أن مالكا قال : لا يجوز السلم في المعين{[2656]} إلا بشرطين : أحدهما أن يكون قرية مأمونة ، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة ، ولم يقل ذلك أحد سواه . وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل ؛ لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر ؛ لئلا يتعذر عند المحل . وإذا كان الموضع مأمونا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك ، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه ، ولا بد من احتمال الغرر اليسير ، وذلك كثير في مسائل الفروع ، تعدادها في كتب المسائل . وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة ، وهي مبنية على قاعدة المصلحة ؛ لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء ؛ لأن النقد قد لا يحضره ، ولأن السعر قد يختلف عليه ، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد ؛ لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له . فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح . وأما الشرط الثاني وهو : أن يكون موصوفا فمتفق عليه ، وكذلك الشرط الثالث . والتقدير يكون من ثلاثة أوجه : الكيل ، والوزن ، والعدد ، وذلك ينبني على العرف ، وهو إما عرف الناس وإما عرف الشرع .

وأما الشرط الرابع وهو : أن يكون مؤجلا فاختلف فيه ، فقال الشافعي : يجوز السلم الحال ، ومنعه الأكثر من العلماء . قال ابن العربي : واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردوه إلى يوم ، حتى قال بعض علمائنا : السلم الحال جائز . والصحيح أنه لا بد من الأجل فيه ، لأن المبيع على ضربين : معجل وهو العين ، ومؤجل . فإن كان حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب : بيع ما ليس عندك ، فلا بد من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه ، وتتنزل الأحكام ، الشرعية منازلها . وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها . وقول الله تعالى " إلى أجل مسمى " وقوله عليه السلام : ( إلى أجل معلوم ) يغني عن قول كل قائل .

قلت : الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما تختلف فيه البلدان من الأسعار ، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة . فأما في البلد الواحد فلا ، لأن سعره واحد ، والله أعلم .

وأما الشرط الخامس وهو : أن يكون الأجل معلوما فلا خلاف فيه بين الأمة ، لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك . وانفرد مالك دون الفقهاء بالأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد ؛ لأنه رآه معلوما . وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى " يسألونك عن الأهلة " {[2657]}[ البقرة : 189 ] .

وأما الشرط السادس وهو : أن يكون موجودا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة أيضا ، فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء .

السابعة : ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف ، لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال : بعثني عبدالله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا : سله هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة ؟ فقال عبدالله : كنا نسلف نبيط{[2658]} أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

قلت : إلى من كان أصله عنده ؟ قال : ما كنا نسألهم عن ذلك . ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا ؟ وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الأجل ، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا ، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : المراعى وجوده عند الأجل . وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤونة وقالوا : السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض . وقال الأوزاعي : هو مكروه . وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسد العقد ، ويتعين موضع القبض ، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث ، لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم ، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل ، ومثله ابن أبي أوفى .

الثامنة : روى أبو داود عن سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره ) . قال أبو محمد عبد الحق بن عطية : هو العوفي{[2659]} ولا يحتج أحد بحديثه ، وإن كان الأجلة قد رووا عنه .

قال مالك : الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله ، إنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه ، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى . قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى .

التاسعة : قوله تعالى : " فاكتبوه " يعني الدين والأجل . ويقال : أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد ؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة . ويقال : أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى . وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " إلى آخر الآية : ( إن أول من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ذريته فرأى رجلا أزهر ساطعا نوره فقال يا رب من هذا قال : هذا ابنك داود ، قال : يا رب فما عمره ؟ قال : ستون سنة ، قال : يا رب زده في عمره ! فقال : لا إلا أن تزيده من عمرك ، قال : وما عمري ؟ قال : ألف سنة ، قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة ، قال : فكتب الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة ، قال : إنه بقي من عمري أربعون سنة ، قالوا : إنك قد وهبتها لابنك داود ، قال : ما وهبت لأحد شيئا ، فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته - في رواية : وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة ) . خرجه الترمذي أيضا . وفي قوله " فاكتبوه " إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له المعربة عنه ، للاختلاف المتوهم بين المتعاملين ، المعرفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه . والله أعلم .

العاشرة : ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها ، فرض بهذه الآية ، بيعا كان أو قرضا ، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود ، وهو اختيار الطبري . وقال ابن جريج : من ادّان فليكتب ، ومن باع فليشهد . وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله " فإن أمن " [ البقرة : 283 ] ناسخ لأمره بالكتب . وحكى نحوه ابن جريج ، وقاله ابن زيد ، وروي عن أبي سعيد الخدري . وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ، ثم خففه الله تعالى بقوله : " فإن أمن بعضكم بعضا " . وقال الجمهور : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب ، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب ، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف{[2660]} في دينه وحاجة صاحب الحق . قال بعضهم : إن أشهدت فحزم ، وإن ائتمنت ففي حل وسعة . ابن عطية : وهذا هو القول الصحيح . ولا يترتب نسخ في هذا ، لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع ، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس .

الحادية عشرة : قوله تعالى : " وليكتب بينكم كاتب " قال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب ، وقاله الشعبي ، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب . السدي : واجب مع الفراغ . وحذفت اللام من الأول وأثبتت في الثاني ؛ لأن الثاني غائب والأول للمخاطب . وقد ثبتت في المخاطب ، ومنه قوله تعالى : " فلتفرحوا " {[2661]} بالتاء . وتحذف في الغائب ، ومنه :

محمد تُفدِ نفسَك كلُّ نفس *** إذا ما خفت من شيء تَبَالاَ

الثانية عشرة : قوله تعالى : " بالعدل " أي بالحق والمعدلة ؛ أي : لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل . وإنما قال " بينكم " ولم يقل أحدكم ؛ لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتبا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادة{[2662]} لأحدهما على الآخر . وقيل : إن الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة ، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب ، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل .

الثالثة عشرة : الباء في قوله تعالى " بالعدل " متعلقة بقوله : " وليكتب " وليست متعلقة ب " كاتب " لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط{[2663]} إذا أقاموا فقهها . أما المنتصبون{[2664]} لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين . قال مالك رحمه الله تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون ، لقوله تعالى : " وليكتب بينكم كاتب بالعدل " .

قلت : فالباء على هذا متعلقة ب " كاتب " أي ليكتب بينكم كاتب عدل ، ف " بالعدل " في موضع الصفة .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " ولا يأب كاتب أن يكتب " نهى الله الكاتب عن الإباء ، واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد ، فقال الطبري والربيع : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب . وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره ، فيضر صاحب الدين إن امتنع ، فإن كان كذلك فهو فريضة ، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره . السدي : واجب عليه في حال فراغه ، وقد تقدم . وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله " ولا يأب " منسوخ بقوله " ولا يضار كاتب ولا شهيد " .

قلت : هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب ، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " وهذا بعيد ، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان . ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها ؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة ، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة . ابن العربي : والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذه حقه . وأبى يأبى شاذ ، ولم يجئ إلا قلى يقلى وأبى يأبى وغَسَى{[2665]} يَغْسَى وجَبَى الخراج يَجْبَى ، وقد تقدم .

الخامسة عشرة : قوله تعالى : " كما علمه الله فليكتب " الكاف في " كما " متعلقة بقوله " أن يكتب " المعنى كتبا كما علمه الله . ويحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله " ولا يأب " من المعنى ، أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو وليفضل كما أفضل الله عليه . ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله " أن يكتب " ثم يكون " كما علمه الله " ابتداء كلام ، وتكون الكاف متعلقة بقوله " فليكتب " .

السادسة عشرة : قوله تعالى : " وليملل الذي عليه الحق " وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه . والإملاء والإملال لغتان ، أملّ وأملى ، فأمل لغة أهل الحجاز وبني أسد ، وتميم تقول : أمليت . وجاء القرآن باللغتين ، قال عز وجل : " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " {[2666]} [ الفرقان : 5 ] . والأصل أمللت ، أبدل من اللام ياء لأنه أخف . فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء ؛ لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره . وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل ، ونهى عن أن يبخس شيئا من الحق . والبخس النقص . ومن هذا المعنى قوله تعالى : " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " {[2667]} [ البقرة : 228 ] .

السابعة عشرة : قوله تعالى : " فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا " قال بعض الناس : أي صغيرا . وهو خطأ فإن السفيه قد يكون كبيرا على ما يأتي بيانه . " أو ضعيفا " أي كبيرا لا عقل له . " أو لا يستطيع أن يمل " جعل الله الذي عليه الحق أربعة أصناف : مستقل بنفسه يمل ، وثلاثة أصناف لا يملون وتقع نوازلهم في كل زمن ، وكون الحق يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك ، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل . فالسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها ، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج . والبذيء اللسان يسمى سفيها ؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة . والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى ، قال الشاعر :

نَخَافُ أن تُسَفَّهَ أحلامُنا *** ويَجْهل الدهرُ مع الحالم

وقال ذو الرمة :

مشين كما اهتزت رماح تَسَفَّهَتْ *** أعاليها مر الرياح النواسم

أي استضعفها واستلانها فحركها . وقد قالوا : الضعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي ، وقيل : هما لغتان . والأول أصح ، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ضعف فأتى أهله نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله ، احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف . فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع ، فقال : يا رسول الله ، إني لا أصبر عن البيع ساعة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن كنت غير تارك البيع فقل ها وها ولا خلابة ){[2668]} وأخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي الترمذي من حديث أنس وقال : هو صحيح ، وقال : إن رجلا كان في عقله ضعف ، وذكر الحديث . وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه : ( إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال ) . وهذا الرجل هو حبان{[2669]} بن منقذ بن عمرو الأنصاري والد يحيى وواسع ابني حبان : وقيل : وهو منقذ جد يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حبان ، أتى عليه مائة وثلاثون سنة ، وكان شج في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمومة{[2670]} خبل منها عقله ولسانه : وروى الدارقطني قال : كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ضرير البصر وكان قد سفع{[2671]} في رأسه مأمومة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثة أيام ، وكان قد ثقل لسانه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بع وقل لا خلابة ) فكنت أسمعه يقول : لا خذابة لا خذابة . أخرجه من حديث ابن عمرو . الخلابة : الخديعة ، ومنه قولهم : " إذا لم تغلب فاخلب " {[2672]} .

الثامنة عشرة : اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله فهل يحجر عليه أولا فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق . وقال آخرون : لا يحجر عليه . والقولان في المذهب ، والصحيح الأول ، لهذه الآية ، ولقوله في الحديث : ( يا نبي الله احجر على فلان ) . وإنما ترك الحجر عليه لقوله : ( يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع ) . فأباح له البيع وجعله خاصا به ؛ لأن من يخدع في البيوع ينبغي أن يحجر عليه لا سيما إذا كان ذلك لخبل عقله . ومما يدل على الخصوصية ما رواه محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلا قد أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله ، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : ( إذا بعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها ) . وقد كان عمَّر عمرا طويلا ، عاش ثلاثين ومائة سنة ، وكان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا ، يبتاع البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا ، فيلومونه ويقولون له تبتاع ؟ فيقول : أنا بالخيار ، إن رضيت أخذت وإن سخطت رددت ، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا . فيرد السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد ، فيقول : والله لا أقبلها ، قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم ، قال فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثا . فكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر : ويحك ! إنه قد صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ثلاثا . أخرجه الدارقطني . وذكره أبو عمر في الاستيعاب وقال : ذكره البخاري في التاريخ عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق .

التاسعة عشرة : قوله تعالى : " أو ضعيفا " الضعيف هو المدخول العقل الناقص الفطرة{[2673]} العاجز عن الإملاء ، إما لعيه{[2674]} أو لخرسه أو جهله بأداء الكلام ، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا . والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير ، ووليه وصيه أو أبوه والغائب عن موضوع الإشهاد ، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر . ووليه وكيله . وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء ، والأولى أنه ممن لا يستطيع . فهذه أصناف تتميز ، وسيأتي في " النساء " {[2675]} بيانها والكلام عليها إن شاء الله تعالى .

الموفية عشرين : قوله تعالى : " فليملل وليه بالعدل " ذهب الطبري إلى أن الضمير في " وليه " عائد على " الحق " وأسند في ذلك عن الربيع ، وعن ابن عباس . وقيل : هو عائد على " الذي عليه الحق " وهو الصحيح . وما روي عن ابن عباس لا يصح . وكيف تشهد البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين ! هذا شي ليس في الشريعة . إلا أن يريد قائله : إن الذي لا يستطيع أن يمل لمرض أو كبر سن لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس ، وإذا كان كذلك فليس على المريض ، ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرس وَلِيٌّ عند أحد العلماء ، مثل ما ثبت على الصبي والسفيه عند من يحجر عليه . فإذا كان كذلك فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز ، فإذا كمل الإملاء أقر به . وهذا معنى لم تعن الآية إليه : ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل لمرض ومن ذكر معه .

الحادية والعشرون : لما قال الله تعالى : " فليملل الذي عليه الحق " دل ذلك على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره ، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم ، فيقول الراهن رهنت بخمسين والمرتهن يدعي مائة ، فالقول قول الراهن والرهن قائم ، وهو مذهب أكثر الفقهاء : سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، واختاره ابن المنذر قال : لأن المرتهن مدع للفضل ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ) . وقال مالك : القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن ولا يصدق على أكثر من ذلك . فكأنه يرى أن الرهن ويمينه شاهد للمرتهن ، وقوله تعالى : " فليملل الذي عليه الحق " رد عليه . فإن الذي عليه الحق هو الراهن . وستأتي هذه المسألة . وإن قال قائل : إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة والكتاب ، والشهادة دالة على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمة الرهن ، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة . قيل له : الرهن لا يدل على أن قيمته تجب أن تكون مقدار الدين ، فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير . يصدق المرتهن مع اليمين في مقدار الدين إلى أن يساوي قيمة الرهن . وليس العرف على ذلك فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب ، فلا حاصل لقولهم هذا .

الثانية والعشرون : وإذا ثبت أن المراد الولي ففيه دليل على أن إقراره جائز على يتيمه ؛ لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه .

الثالثة والعشرون : وتصرف السفيه{[2676]} المحجور عليه دون إذن وليه فاسد إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا . فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف يأتي بيانه في " النساء " {[2677]} إن شاء الله تعالى .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : " واستشهدوا " الاستشهاد طلب الشهادة . واختلف الناس هل هي فرض أو ندب ، والصحيح أنه ندب على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

الخامسة والعشرون : قوله تعالى : " شهيدين " رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا ، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء " . وشهيد بناء مبالغة ، وفي ذلك دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه ، فكأنه إشارة إلى العدالة . والله أعلم .

السادسة والعشرون : قوله تعالى : " من رجالكم " نص في رفض الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم . وقال مجاهد : المراد الأحرار ، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه . وقد اختلف العلماء في شهادة العبيد ، فقال شريح وعثمان البتي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا ، وغلبوا لفظ الآية . وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد ، وغلبوا نقص الرق ، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير . والصحيح قول الجمهور ؛ لأن الله تعالى قال : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " [ البقرة : 282 ] وساق الخطاب إلى قوله " من رجالكم " فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون ، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة . فإن قالوا : إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها . قيل لهم : هذا يخصه قوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " على ما يأتي بيانه . وقوله " من رجالكم " دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة لكن إذا علم يقينا ، مثل ما روي عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أو دع ) . وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به ، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطئ . نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها ، لأن الإقدام على الوطء جائز بغلبة الظن ، فلو زفت إليه امرأة وقيل : هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها ، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول . ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخْبَر عنه ، لأن سبيل الشهادة اليقين ، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن ، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف : إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى ، ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه ، . فهذا مذهب هؤلاء . والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له ، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض ، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت ؛ لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين ، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور والألوان . وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير . قلت : مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت . قال ابن قاسم : قلت لمالك : فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه ، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت ؟ قال : قال مالك : شهادته جائزة . وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشريح الكندي والشعبي وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث .

السابعة والعشرون : قوله تعالى : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين ، هذا قول الجمهور . " فرجل " رفع بالابتداء ، " وامرأتان " عطف عليه والخبر محذوف . أي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما . ويجوز النصب في غير القرآن ، أي فاستشهدوا رجلا وامرأتين . وحكى سيبويه : إن خنجرا فخنجرا . وقال قوم : بل المعنى فإن لم يكن رجلان ، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، فلفظ الآية لا يعطيه ، بل الظاهر منه قول الجمهور ، أي إن لم يكن المستشهد رجلين ، أي : إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلا وامرأتين . فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ، ولم يذكرها في غيرها ، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور ، بشرط أن يكون معهما رجل . وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها ؛ لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها ، فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان ، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال . ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى : " إذا تداينتم بدين " يشتمل على دين المهر مع البضع ، وعلى الصلح على دم العمد ، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين ، بل هي شهادة على النكاح . وأجاز العلماء شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة . وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة .

وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح وهي :

الثامنة والعشرون : فأجازها مالك ما لم يختلفوا ولم يفترقوا . ولا يجوز أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ولكبير على صغير . وممن كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح عبد الله بن الزبير . وقال مالك : وهو الأمر عندنا المجتمع عليه . ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه{[2678]} شهادتهم ، لقوله تعالى : " من رجالكم " وقوله : " ممن ترضون " وقوله : " ذوي عدل منكم " {[2679]} [ الطلاق : 2 ] وهذه الصفات ليست في الصبي .

التاسعة والعشرون : لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه ، فكما له أن يحلف مع الشاهد{[2680]} عندنا ، وعند الشافعي كذلك ، يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية . وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا اليمين مع الشاهد وقالوا : إن الله سبحانه قسم الشهادة وعددها ، ولم يذكر الشاهد واليمين ، فلا يجوز القضاء به ؛ لأنه يكون قسما زائدا{[2681]} على ما قسمه الله ، وهذه زيادة على النص ، وذلك نسخ . وممن قال بهذا القول الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عتيبة وطائفة . قال بعضهم : الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن . وزعم عطاء أن أول من قضى به عبد الملك بن مروان ، وقال : الحكم : القضاء باليمين والشاهد بدعة ، وأول من حكم به معاوية . وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئا ، وليس من نفى وجهل كمن أثبت وعلم وليس في قول الله تعالى : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " الآية ، ما يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد ولا أنه لا يتوصل إلى الحقوق ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير ، فإن ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطالب ، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا وليس في كتاب الله تعالى ، وهذا قاطع في الرد عليهم . قال مالك : فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له : أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه ؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه ، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق ، أن حقه لحق ، وثبت حقه على صاحبه . فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان ، فبأي شيء أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده ؟ فمن أقر فليقر باليمين مع الشاهد . قال علماؤنا : ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بدعوا من عمل بها حتى نقضوا حكمه واستقصروا رأيه{[2682]} ، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز - وكتب به إلى عماله - وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة ، ولذلك قال مالك : وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة ، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم ! هذا إغفال شديد ، ونظر غير سديد . روى الأئمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى باليمين مع الشاهد . قال عمرو بن دينار : في الأموال خاصة ، رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد بن دينار عن ابن عباس . قال أبو عمر : هذا أصح إسناد لهذا الحديث ، وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده ، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات . قال يحيى القطان : سيف بن سليمان ثَبْت ، ما رأيت أحفظ منه . وقال النسائي : هذا إسناد جيد ، سيف ثقة ، وقيس ثقة . وقد خرج مسلم حديث ابن عباس هذا . قال أبو بكر البزار : سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان ، ومن بعدهما يستغنى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة . ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد ، بل جاء عنهم القول به ، وعليه جمهور أهل العلم بالمدينة . واختلف فيه عن عروة بن الزبير وابن شهاب ، فقال معمر : سألت الزهري{[2683]} عن اليمين مع الشاهد فقال : هذا شيء أحدثه الناس ، لابد من شاهدين . وقد روي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين ، وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الأثر ، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه ، لتواتر الآثار به عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل أهل المدينة قرنا بعد قرن . وقال مالك : يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان ، ولم يحتج في موطئه لمسألة غيرها . ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما ، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس ، فإن يحيى بن يحيى{[2684]} زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه . وخالف يحيى مالكا في ذلك مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة . ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلكم " {[2685]} [ النساء : 24 ] . وكنهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع مع قوله : " قل لا أجد " {[2686]} [ الأنعام : 145 ] . وكالمسح على الخفين ، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما ، ومثل هذا كثير . ولو جاز أن يقال : إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد ، لجاز أن يقال : إن القرآن في قوله عز وجل : " وأحل الله البيع وحرم الربا " [ البقرة : 275 ] وفي قوله : " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " {[2687]} [ النساء : 29 ] ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر وبيع ما لم يخلق ، إلى سائر ما نهى عنه في البيوع ، وهذا لا يسوغ لأحد ؛ لأن السنة مبينة للكتاب .

فإن قيل : إن ما ورد من الحديث قضية في عين فلا عموم . قلنا : بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة ، فكأنه قال : أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد . ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق ، ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين ؛ لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين تدخل في اللعان . وإذا صحت السنة فالقول بها يجب ، ولا تحتاج السنة إلى مايتابعها{[2688]} ؛ لأن من خالفها محجوج بها . وبالله التوفيق .

الموفية ثلاثين : وإذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد ، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان ، للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين مع الشاهد . قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدليل{[2689]} قبول شهادة النساء فيها . وقد اختلف قول مالك في جراح العمد ، هل يجب القَوَد فيها بالشاهد واليمين ؟ فيه روايتان : إحداهما : أنه يجب به التخيير بين القود والدية . والأخرى : أنه لا يجب به شيء ؛ لأنه من حقوق الأبدان . قال : وهو الصحيح . قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة ، وقاله عمرو بن دينار . وقال المازري{[2690]} : يقبل في المال المحض من غير خلاف ، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ، ولكنه يؤدي إلى المال ، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت ، حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك ، ففي قبوله اختلاف ، فمن راعى المال قبله كما يقبله في المال ، ومن راعى الحال لم يقبله . وقال المهدوي : شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامة الفقهاء ، وكذلك في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ، وإنما يشهدن في الأموال . وكل ما لا يشهدن فيه فلا يشهدن على شهادة غيرهن فيه ، كان معهن رجل أو لم يكن ، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن{[2691]} عن رجل وامرأة . ويقضى باثنتين منهن في كل ما لا يحضره غيرهن كالولادة والاستهلال ونحو ذلك . هذا كله مذهب مالك ، وفي بعضه اختلاف .

الحادية والثلاثون : قوله تعالى : " ممن ترضون من الشهداء " في موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين . قال ابن بكير وغيره : هذه مخاطبة للحكام . ابن عطية : وهذا غير نبيل ، وإنما الخطاب لجميع الناس ، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام ، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض .

الثانية والثلاثون : لما قال الله تعالى : " ممن ترضون من الشهداء " دل على أن في الشهود من لا يرضي ، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم ، وذلك معنى زائد على الإسلام ، وهذا قول الجمهور . وقال أبو حنيفة : كل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وإن كان مجهول الحال . وقال شريح وعثمان البتي وأبو ثور : هم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا .

قلت : فعمموا الحكم ، ويلزم منه قبول قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن وافقه ، وهو من رجالنا وأهل ديننا . وكونه بدويا ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي ، قال الله تعالى : " ممن ترضون من الشهداء " وقال تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " ف " منكم " خطاب للمسلمين . وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة ؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف ، وكذلك " ممن ترضون " مثله ، خلاف ما قال أبو حنيفة ، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يختبر حاله ، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الإسلام . وذهب أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ) . والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا ، على ما يأتي في " النساء " {[2692]} و " براءة " {[2693]} إن شاء الله تعالى . وليس في حديث أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر ، ومتى كان في السفر فلا خلاف في قبوله{[2694]} . قال علماؤنا : العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية ، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر ، ظاهر الأمانة غير مغفل . وقيل : صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل ، والمعنى متقارب .

الثالثة والثلاثون : لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة ، وهي قبول قول الغير على الغير ، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة . فمن حكم الشاهد . أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره ، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله ، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته . وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام . وسيأتي لهذا في سورة " يوسف " {[2695]} زيادة بيان إن شاء الله تعالى . وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام ، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك .

الرابعة والثلاثون : قال أبو حنيفة : يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود . وهذه مناقصة تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه ؛ لأننا نقول : حق من الحقوق . فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود ، قاله ابن العربي .

الخامسة والثلاثون : وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : إن النكاح ينعقد . بشهادة فاسقين . فنفى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح ، وهو أولى لما يتعلق به من الحل والحرمة والحد والنسب .

قلت : قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جدا ؛ لشرط الله تعالى الرضا والعدالة ، وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام ، وإنما يعلم بالنظر في أحواله حسب ما تقدم . ولا يغتر بظاهر قوله : أنا مسلم . فربما انطوى على ما يوجب رد شهادته ، مثل قوله تعالى : " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه " [ البقرة :204 ] إلى قوله : " والله لا يحب الفساد " {[2696]} [ البقرة :205 ] وقال : " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " [ المنافقين : 4 ] الآية{[2697]} .

السادسة والثلاثون : قوله تعالى : " أن تضل إحداهما " قال أبو عبيد : معنى تضل تنسى . والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء ، ويبقى المرء حيران ببن ذلك ضالا . ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال : ضل فيها . وقرأ حمزة " إن " بكسر الهمزة على معنى الجزاء ، والفاء في قوله : " فتذكر " جوابه ، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل ، وارتفع " تذكر " على الاستئناف ، كما ارتفع قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " {[2698]} [ المائدة : 95 ] هذا قول سيبويه . ومن فتح " أن " فهي مفعول له والعامل فيها{[2699]} محذوف . وانتصب " فتذكر " على قراءة الجماعة عطفا على الفعل المنصوب بأن . قال النحاس : ويجوز " تضل " بفتح التاء والضاد ، ويجوز تضل بكسر التاء وفتح الضاد . فمن قال : " تضل " جاء به على لغة من قال : ضَلِلْت تَضَل . وعلى هذا تقول تِضل فتكسر التاء لتدل على أن الماضي فعلت . وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر " أن تُضَل " بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني . وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة . تقول : أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما .

السابعة والثلاثون : قوله تعالى : " فتذكر " خفف الذال والكاف ابن كثير وأبو عمرو ، وعليه فيكون المعنى أن تردها ذكرا في الشهادة ؛ لأن شهادة المرأة نصف شهادة ، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر{[2700]} ، قاله سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء . وفيه بعد ، إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا الذكر ، وهو معنى قراءة الجماعة " فتذكر " بالتشديد ، أي تنبهها إذا غفلت ونسيت .

قلت : وإليها ترجع قراءة أبي عمرو ، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى ، يقال : تذكرت الشيء وأذكرته وذكرته بمعنى ، قاله في الصحاح .

الثامنة والثلاثون : قوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال الحسن : جمعت هذه الآية أمرين ، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعيت إلى أدائها ، وقاله ابن عباس . وقال قتادة والربيع وابن عباس : أي لتحملها وإثباتها في الكتاب . وقال مجاهد : معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك . وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا ، قال مجاهد : فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا ، وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم{[2701]} . وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود ، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد بقوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهما عند الحاكم{[2702]} ، على ما يأتي . وقال ابن عطية{[2703]} : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق{[2704]} فالمدعو مندوب ، وله أن يتخلف لأدنى عذر ، وإن تخلف لغير{[2705]} عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له . وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيما إن كانت محصلة وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ؛ لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء .

قلت : وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن جائزا للإمام أن يقيم للناس شهودا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها ، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت . فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا . والله أعلم . فإن قيل : هذه شهادة بالأجرة ، قلنا : إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال ، وذلك كأرزاق القضاة والولاة وجميع المصالح التي تَعِنُّ{[2706]} للمسلمين وهذا من جملتها . والله أعلم . وقد قال تعالى : " والعاملين عليها " {[2707]} [ التوبة : 60 ] ففرض لهم .

التاسعة والثلاثون : لما قال تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " دل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم ، وهذا أمر بني عليه الشرع وعمل به في كل زمان وفهمته كل أمة ، ومن أمثالهم : " في بيته يؤتى الحكم " .

الموفية أربعين : وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء ، وهو يخص عموم قوله : " من رجالكم " لأنه لا يمكنه أن يجيب ، ولا يصح له أن يأتي ، لأنه لا استقلال له بنفسه ، وإنما يتصرف بإذن غيره ، فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منزل الولاية . نعم ! وكما انحط عن فرض الجمعة والجهاد والحج ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

الحادية والأربعون : قال علماؤنا : هذا في حال الدعاء إلى الشهادة . فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقُّها الذي ينتفع بها ، فقال قوم : أداؤها ندب لقوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ففرض الله الأداء عند الدعاء ، فإذا لم يدع كان ندبا ، لقوله عليه السلام : ( خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ) رواه الأئمة . والصحيح أن أداءها فرض وان لم يسألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته ، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك ، فيجب على من تحمل شيئا من ذلك أداء تلك الشهادة ، ولا يقف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق ، وقد قال تعالى : " وأقيموا الشهادة لله " {[2708]} [ الطلاق : 2 ] وقال : " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " {[2709]} [ الزخرف : 86 ] . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) . فقد تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته الإنكار .

الثانية والأربعون : لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جرحة في الشاهد والشهادة ، ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وهذا قول ابن القاسم وغيره . وذهب بعضهم إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جرحة في تلك الشهادة نفسها خاصة ، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك . والصحيح الأول ؛ لأن الذي يوجب جرحته إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر ، والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقا ، وهذا واضح .

الثالثة والأربعون : لا تعارض بين قوله عليه السلام : ( خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ) وبين قوله عليه السلام في حديث عمران بن حصين : ( إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - ثم قال عمران : فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ){[2710]} أخرجهما الصحيحان . وهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يراد به شاهد الزور ، فإنه يشهد بما لم يستشهد ، أي بما لم يتحمله ولا حمله . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم . ثم قال : ( يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشهادة الزور ) . الوجه الثاني : أن يراد به الذي يحمله الشره على تنفيذ ما يشهد به ، فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها ، فهذه شهادة مردودة ، فإن ذلك يدل على هوى غالب على الشاهد . الثالث : ما قاله إبراهيم النخعي راوي{[2711]} طرق بعض هذا الحديث : كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات .

الرابعة والأربعون : قوله تعالى : " ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله " " تسأموا " معناه تملوا . قال الأخفش : يقال سئمت أسأم سأما وسآمة وسآما وسأْمة{[2712]} وسأَما ، كما قال الشاعر :

سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولا - لا أبالك - يسأمِ

" أن تكتبوه " في موضع نصب بالفعل . " صغيرا أو كبيرا " حالان من الضمير في " تكتبوه " وقدم الصغير اهتماما به . وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكتب ، ويقول أحدهم : هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه ، فأكد تعالى التحضيض{[2713]} في القليل والكثير . قال علماؤنا : إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارا وإنكارا .

الخامسة والأربعون : قوله تعالى : " ذلكم أقسط عند الله " معناه أعدل ، يعني أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه . " وأقوم للشهادة " أي أصح وأحفظ . " وأدنى " معناه أقرب . و " ترتابوا " تشكوا .

السادسة والأربعون : قوله تعالى : " وأقوم للشهادة " دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها ، ولا يؤدي إلا ما يعلم لكنه يقول : هذا خطي ولا أذكر الآن ما كتبت فيه . قال ابن المنذر : أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يمنع أن يشهد الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة . واحتج مالك على جواز ذلك بقوله تعالى : " وما شهدنا إلا بما علمنا " {[2714]} [ يوسف : 81 ] . وقال بعض العلماء : لما نسب الله تعالى الكتابة إلى العدالة وسعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكر . ذكر ابن المبارك عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادة فينساها قال : لا بأس أن يشهد إن وجد علامته في الصك أو خط يده . قال ابن المبارك : استحسنت هذا جدا . وفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد ، وعن الرسل من قبله ما يدل على صحة هذا المذهب . والله أعلم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في ( الأحقاف ){[2715]} إن شاء الله تعالى .

السابعة والأربعون : قوله تعالى : " إلا أن تكون تجارة{[2716]} حاضرة تديرونها بينكم " " أن " في موضع نصب استثناء ليس من الأول . قال الأخفش [ أبو سعيد ]{[2717]} : أي إلا أن تقع تجارة ، فكان بمعنى وقع وحدث . وقال غيره : " تديرونها " الخبر . وقرأ عاصم وحده " تجارة " على خبر كان واسمها مضمر فيها . " حاضرة " نعت لتجارة ، والتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة ، أو إلا أن تكون المبايعة تجارة ، هكذا قدره مكي وأبو علي الفارسي ، وقد تقدم نظائره والاستشهاد عليه . ولما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد ، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها . وقال السدي والضحاك : هذا فيما كان يدا بيد .

الثامنة والأربعون : قوله تعالى : " تديرونها بينكم " يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض . ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه ، حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدين ، فكان الكتاب توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب . فأما إذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاعه من صاحبه ، فيقل في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة . ونبه الشرع على هذه المصالح في حالتي النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب ، بالكتاب والشهادة والرهن . قال الشافعي : البيوع ثلاثة : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان ، وبيع بأمانة ، وقرأ هذه الآية . وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، وإذا باع بنسيئة كتب .

التاسعة والأربعون : قوله تعالى : " وأشهدوا " قال الطبري : معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره . واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب ، فقال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر . هو على الوجوب ، ومن أشدهم في ذلك عطاء قال : أشهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث أو أقل من ذلك ، فإن الله عز وجل يقول : " وأشهدوا إذا تبايعتم " . وعن إبراهيم قال : أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دَسْتَجَةَ{[2718]} بَقَلٍ . وممن كان يذهب إلى هذا ويرجحه الطبري ، وقال : لا يحل لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلا أن يشهد ، وإلا كان مخالفا كتاب الله عز وجل ، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا . وذهب الشعبي والحسن إلى أن ذلك على الندب والإرشاد لا على الحتم . ويحكى أن هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي . وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافة ، قال : وهو الصحيح . ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك . قال وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم وكتب . قال : ونسخة كتابه : ( بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اشترى منه عبدا - أو أمة - لا داء{[2719]} ولا غائلة ولا خبثة ، بيعَ المسلم المسلم ) . وقد باع ولم يشهد ، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد . ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة .

قلت : قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك . وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داود . وكان إسلامه بعد الفتح وحنين ، وهو القائل : قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا ، ثم أسلم فحسن إسلامه . ذكره أبو عمر ، وذكر حديثه هذا ، وقال في آخره : قال الأصمعي : سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال : الإباق والسرقة والزنا ، وسألته عن الخبثة فقال : بيع أهل عهد المسلمين . وقال الإمام أبو محمد بن عطية : والوجوب في ذلك قلق ، أما في الدقائق{[2720]} فصعب شاق ، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد ، وقد يكون عادة في بعض البلاد ، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه ، فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا ، لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا . وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا : " وأشهدوا إذا تبايعتم " منسوخ بقوله : " فإن أمن بعضكم بعضا " [ البقرة : 283 ] وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري ، وأنه تلا " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " إلى قوله : " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته " [ البقرة : 283 ] . قال : نسخت هذه الآية ما قبلها . قال النحاس : وهذا قول الحسن والحكم وعبدالرحمن بن زيد . قال الطبري : وهذا لا معنى له ؛ لأن هذا حكم غير الأول ، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا قال الله عز وجل : " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا - أي فلم يطالبه برهن - فليؤد الذي اؤتمن أمانته " [ البقرة : 283 ] . قال : ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول لجاز أن يكون قوله عز وجل : " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط " {[2721]} [ النساء : 43 ] الآية ناسخا لقوله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " [ المائدة : 5 ] الآية ولجاز أن يكون قوله عز وجل : " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " [ النساء : 92 ] ناسخا لقوله عز وجل : " فتحرير رقبة مؤمنة " [ النساء : 92 ] وقال بعض العلماء : إن قوله تعالى : " فإن أمن بعضكم بعضا " لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد ، بل وردا معا . ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة . قال : وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له : إن آية الدين منسوخة قال : لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ قال : والإشهاد إنما جعل للطمأنينة ، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا ، منها الكتاب ، ومنها الرهن ، ومنها الإشهاد . ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب . فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد . وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا وبرا وبحرا وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير ، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه .

قلت : هذا كله استدلال حسن ، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد ، وهو ما خرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي قال : ( أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة{[2722]} : حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا . فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه ، فقال : من أين أقبل{[2723]} القوم ؟ فقلنا : من الربذة وجنوب الربذة . قال : ومعنا جمل أحمر ، فقال : تبيعوني جملكم هذا ؟ فقلنا نعم . قال بكم ؟ قلنا : بكذا وكذا صاعا من تمر . قال : فما استوضعنا شيئا وقال : قد أخذته ، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا ، فتلاومنا بيننا وقلنا : أعطيتم جملكم من لا تعرفونه ! فقالت الظعينة : لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم . ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه . فلما كان العشاء{[2724]} أتانا رجل فقال : السلام عليكم ، أنا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا ، وتكتالوا حتى تستوفوا . قال : فأكلنا حتى شبعنا ، واكتلنا حتى استوفينا ) . وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي . . . الحديث . وفيه : فطفق الأعرابي يقول : هلم شاهدا يشهد أني بعتك - قال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد أنك قد بعته . فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال : ( بم تشهد ) ؟ فقال : بتصديقك يا رسول الله . قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين . أخرجه النسائي وغيره .

الموفية خمسين : قوله تعالى : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " فيه ثلاثة أقوال :

الأول{[2725]} : لا يكتب الكاتب ما لم يمل عليه ، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها . قاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم .

الثاني : وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد . " ولا يضار " على هذين القولين أصله يضارر بكسر الراء ، ثم وقع الإدغام ، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة . قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ، قال : لأن بعده . " وإن تفعلوا فإن فسوق بكم " [ البقرة : 282 ] فالأولى أن تكون ، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة أن يقال له : فاسق ، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهدا أن يشهد وهو مشغول . وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق يضارر بكسر الراء الأولى . الثالث : وقال مجاهد والضحاك وطاوس والسدي وروي عن ابن عباس : معنى الآية ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) بأن يدعى الشاهد إلى الشهادة والكاتب إلى الكتب وهما مشغولان ، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما{[2726]} وآذاهما ، وقال : خالفتما أمر الله ، ونحو هذا من القول فيضر بهما . وأصل " يضار " على هذا يضارر بفتح الراء ، وكذا قرأ ابن مسعود " يضارر " بفتح الراء الأولى ، فنهى الله سبحانه عن هذا ؛ لأنه لو أطلقه لكان فيه شغل لهما عن أمر دينهما ومعاشهما . ولفظ المضارة ، إذ هو من اثنين ، يقتضي هذه المعاني . والكاتب والشهيد على القولين الأولين رفع بفعلهما ، وعلى القول الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله .

الحادية والخمسون : قوله تعالى : " وإن تفعلوا " يعني المضارة . " فإنه فسوق بكم " أي معصية ، عن سفيان الثوري . فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان ، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان ، وفيه إبطال الحق . وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله . وقوله " بكم " تقديره فسوق حال بكم .

الثانية والخمسون : قوله تعالى : " واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم " وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه ، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه ، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا ، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل ، ومنه قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " {[2727]} [ الأنفال : 29 ] . والله أعلم .


[2653]:- كذا في الطبري والأصول، إلا في جـ: فسعيد بن جبير.
[2654]:- راجع جـ6 ص 419.
[2655]:- راجع جـ 10 ص 25.
[2656]:- كذا في هـ وجـ، والذي في ا وحـ: العين.
[2657]:- راجع جـ2 ص 341.
[2658]:- النبيط (بفتح النون وكسر الموحدة وآخره طاء مهملة) أهل الزراعة. وقيل: قوم ينزلون البطاح، وسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع لكثرة معالجتهم الفلاحة. وقيل: نصارى الشام الذين عمروها. (عن القسطلاني).
[2659]:- العوفي: لقب عطية بن سعد.
[2660]:- ثقاف: فطنة وذكاء.
[2661]:- راجع جت8 ص 354.
[2662]:- في هـ و جـ و ا و ط: "هوادة".
[2663]:- اضطربت الأصول في رسم هذه الكلمة، ففي ب: "والمتخوط" وفي حـ، هـ، جـ: "والمسخوط" وفي أ، "والمسحوط" وفي ط: السجود. وأيضا اضطرب رسمها في تفسير ابن عطية، ففي التيمورية: "والمستحوط" وفي ز "والمسخوطة" ولعل صوابها "والمتحوط".
[2664]:- وردت هذه الجملة في الأصول وتفسير ابن عطية والبحر لأبي حيان هكذا: "أما أن المنتصبين لكتبها لا يجوز...الخ" وهي بهذه الصورة غير واضحة.
[2665]:- غسى الليل أظلم، في جـ وهـ: عشى يعشى، وفي ا و جـ: عسى يعسى، والتصويب من اللسان.
[2666]:- راجع جـ13 ص 3.
[2667]:- راجع ص 118 من هذا الجزء.
[2668]:- الخلابة: المخادعة. وقوله عليه السلام: "ها وها" تقدم الكلام عليه في ص 350 من هذا الجزء.
[2669]:- حَبان بالفتح.
[2670]:- شجة آمة ومأمومة: بلغت أم الرأس.
[2671]:- سفع فلان فلانا: لطمه وضربه.
[2672]:- في لسان العرب: "من قاله بالضم فمعناه فاخدع. ومن قال بالكسر فمعناه فانتش قليلا شيئا يسيرا بعد شيء، كأنه أخذ من مخلب الجارحة. قال ابن الأثير: معناه إذا أعياك الأمر مغالبة فاطلبه مخادعة.
[2673]:- كذا في هـ و جـ، والفطرة: الطبيعة والجبلة. وفي جـ و ا: الفطنة.
[2674]:- كذا في هـ وجـ، وفي حـ و ا: لعتهه.
[2675]:- راجع جـ5 ص 28.
[2676]:- في حـ و ا: الصبي. الصواب ما أثبتناه من هـ وجـ.
[2677]:- راجع جـ5 ص 39 و ص 83.
[2678]:- في هـ: أصحابهم.
[2679]:- راجع جـ18 ص 157.
[2680]:- في ط: اليمين.
[2681]:-- في حـ وهـ وجـ: قسما ثالثا.
[2682]:- في ط وجـ وهـ: علمه.
[2683]:- في هـ: الزبير.
[2684]:- في جـ وهـ وط.
[2685]:- على قراءة نافع، راجع جـ5 ص 124.
[2686]:- راجع جـ 7 ص 115.
[2687]:- راجع جـ5 ص 151.
[2688]:- في طـ وهـ: من يتابعها.
[2689]:-في هـ و ط: بدلالة.
[2690]:- المازري: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي الفقيه المالكي، توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة والمازري بفتح الميم وبعدها ألف ثم زاي مفتوحة وقد كسرت أيضا ثم راء، هذه النسبة إلى "مازر" وهي بليدة بجزيرة صقلية. (عن ابن خلكان).
[2691]:- في هـ: يقلن.
[2692]:- راجع جـ5 ص 412.
[2693]:- راجع جـ8 ص 232.
[2694]:- كذا في ط. وفي باقي الأصول: فلا خلاف في قوله.
[2695]:- راجع جـ 9 ص 173 فما بعد وص 245.
[2696]:- راجع ص 14 من هذا الجزء.
[2697]:- راجع جـ18 ص 124.
[2698]:- راجع جـ6 ص 302.
[2699]:- كذا في ط وجـ.
[2700]:-في جـ: رجل.
[2701]:- في ب: وعطية فلا يجب الخ.
[2702]:- في ب: الحكام.
[2703]:- في ط و ب: قاله ابن عطية.
[2704]:- في هـ: الحقوق.
[2705]:- في ط: لعذر.
[2706]:- في جـ: تعين المسلمين.
[2707]:- راجع جـ 8 ص 177
[2708]:- راجع جـ18 ص 159.
[2709]:- راجع ج ص 122.
[2710]:- هذه رواية مسلم.
[2711]:- في ب و جـ وهـ وط: بأثر طرق.
[2712]:- في جـ واللسان.
[2713]:- كذا في جـ وهـ، وفي ب و ا وحـ وط: التحصين.
[2714]:- راجع جـ9 ص 244.
[2715]:- راجع جـ16 ص 181 فما بعد.
[2716]:- قراءة نافع.
[2717]:- من ب.
[2718]:- الدستجة: الحزمة.
[2719]:- الداء: ما دلس فيه من عيب يخفى أو علة باطنة لا ترى. والشك من الراوي كما في الاستيعاب. وفيه: "بيع المسلم المسلم". كما في هـ و جـ و ب و ا، وفي حـ: "بيع السلم للمسلم".
[2720]:- كذا في ط و هـ وجـ وب وابن عطية. وفي ا و حـ: الوثائق.
[2721]:- راجع جـ5 ص 104 وص 80 و ص 314 و ص 327.
[2722]:- الربذة (بالتحريك): من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة؛ وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وكان قد خرج إليها مغاضبا لعثمان بن عفان رضي الله عنه فأقام بها إلى أن مات سنة 32هـ (عن معجم البلدان لياقوت).
[2723]:- من الدارقطني.
[2724]:- كذا في الدارقطني، وفي الأصول جميعا: العشي.
[2725]:- الثاني قول ابن عباس والثالث قول مجاهد والضحاك.
[2726]:- في جـ و ب و ط: خرج.
[2727]:- راجع جـ7 ص 396.