التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ} (61)

جملة { قَالَ لَهُم موسى } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، لأنّ قوله { ثُمَّ أتى } يثير سؤالاً في نفس السامع أن يقول : فماذا حصل حين أتى فرعون ميقات الموعد . وأراد موسى مفاتحة السحرة بالموعظة .

وضمير { لَهُم } عائد إلى معلوم من قوله { فلنأتينك بسحر مثله أي بأهل سحر ، أو يكون الخطاب للجميع ، لأنّ ذلك المحضر كان بمرأى ومسمع من فرعون وحاشيته ، فيكون معاد الضمير ما دلّ عليه قوله { فَجَمعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى } ، أي جمع رجال كيده .

والخطاب بقوله { وَيْلَكُمْ } يجوز أن يكون أراد به حقيقة الدعاء ، فيكون غير جار على ما أمر به من إلانة القول لفرعون : إما لأن الخطاب بذلك لم يكن مواجهاً به فرعون بل واجه به السحرةَ خاصة الذين اقتضاهم قوله تعالى : { فَجَمعَ كَيْدَهُ } ، أي قال موسى لأهل كيد فرعون ؛ وإما لأنه لما رأى أن إلانة القول له غير نافعة ، إذ لم يزل على تصميمه على الكفر ، أغلظ القول زجراً له بأمر خاص من الله في تلك الساعة تقييداً لمطلق الأمر بإلانة القول ، كما أذن لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآيات في سورة الحج ( 39 ) ؛ وإما لأنه لما رأى تمويههم على الحاضرين أنّ سحرهم معجزة لهم من آلهتهم ومن فرعون ربّهم الأعلى وقالوا : { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } [ الشعراء : 44 ] رأى واجباً عليه تغيير المنكر بلسانه بأقصى ما يستطيع ، لأن ذلك التغيير هو المناسب لمقام الرسالة .

ويجوز أن تكون كلمة { وَيْلَكُمْ } مستعملة في التعجب من حال غريبة ، أي أعجبُ منكم وأحذركم ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير : « ويلُ أُمهُ مسعر حرب » فحكى تعجب موسى باللفظ العربي الدال على العجب الشديد .

والويل : اسم للعذاب والشر ، وليس له فعل .

وانتصب { وَيْلَكُمْ } إما على إضمار فعل على التحذير أو الإغراء ، أي الزموا ويلكم ، أو احذروا ويلكم ؛ وإما على إضمار حرف النداء فإنهم يقولون : يا ويلنا ، ويا ويلتنا . وتقدم عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } في سورة البقرة ( 79 ) .

والإفتراء : اختلاق الكذب . والجمع بينه وبين كَذِباً } للتأكيد ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } في سورة المائدة ( 103 ) .

والافتراء الذي عناه موسى هو ما يخيّلونه للناس من الشعوذة ، ويقولون لهم : انظروا كيف تحرّك الحبل فصار ثعباناً ، ونحو ذلك من توجيه التخيّلات بتمويه أنها حقائق ، أو قولهم : ما نفعله تأييد من الله لنا ، أو قولهم : إن موسى كاذب وساحر ، أو قولهم : إن فرعون إلههم ، أو آلهة فرعون آلهة . وقد كانت مقالات كفرهم أشتاتاً .

وقرأ الجمهور { فَيَسْحَتَكُم } بفتح الياء مضارع سَحَتَه : إذا استأصله ، وهي لغة أهل الحجاز . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخَلف ، ورويسٌ عن يعقوب بضم الياء التحتية من أسحته ، وهي لغة نجد وبني تميم ، وكلتا اللغتين فصحى .

وجملة { وقَدْ خَابَ مَنِ افترى } في موضع الحال من ضمير { لا تَفْتَرُوا } وهي مسوقة مساق التعليل للنهي ، أي اجتنبوا الكذب على الله فقد خاب من افترى عليه من قبلُ . بعد أن وعظهم فنهاهم عن الكذب على الله وأنذرهم عذابه ضرب لهم مثلاً بالأمم البائدة الذين افتروا الكذب على الله فلم ينجحوا فيما افتَرَوْا لأجله .

و { منْ } الموصولة للعموم .

وموقع هذه الجملة بعد التي قبلها كموقع القضية الكبرى من القياس الاقتراني .

وفي كلام موسى إعلان بأنه لا يتقول على الله ما لم يأمره به لأنه يعلم أنه يستأصله بعذاب ويعلم خيبة من افترى على الله ؛ ومن كان يعلم ذلك لا يُقدم عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ} (61)

" قال لهم موسى " أي قال لفرعون والسحرة " ويلكم " دعاء عليهم بالويل . وهو بمعنى المصدر . وقال أبو إسحاق الزجاج : هو منصوب بمعنى : ألزمهم الله ويلا . قال : ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " {[11104]} [ يس : 52 ] " لا تفتروا على الله كذبا " أي لا تختلقوا عليه الكذب ، ولا تشركوا به ، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر . " فيسحتكم بعذاب " من عنده أي يستأصلكم بالإهلاك يقال فيه : سحت وأسحت بمعنى . وأصله من استقصاء الشعر . وقرأ الكوفيون " فيسحتكم " من أسحت ، الباقون " فيسحتكم " من سحت ، وهذه لغة أهل الحجاز و[ الأولى لغة ]{[11105]} بن تميم . وانتصب على جواب النهي . وقال الفرزدق .

وعضُّ زمانٍ يا ابن مروان لم يدع *** من المال إلا مُسْحَتًا{[11106]} أو مُجَلَّفُ{[11107]}

الزمخشري : وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه . " وقد خاب من افترى " أي خسر وهلك ، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به .


[11104]:راجع جـ 15 ص 39 فما بعد.
[11105]:الزيادة من كتب التفسير.
[11106]:ويروي: "إلا سحت" ومن رواه كذلك جعل معنى. "لم يدع" لم يتقار، ومن رواه "إلا مسحتا" جعل "لم يدع " بمعنى لم يترك. ورفع "مجلف" بإضمار، كأنه قال: أو هو مجلف. "اللسان".
[11107]:المجلف: الذي بقيت منه بقية.