التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا} (29)

جملة { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني } تعليلية لتمنِّيه أن لا يكون اتخذ فلاناً خليلاً بأنه قد صدر عن خُلته أعظم خسران لخليله إذ أضله عن الحق بعد أن كاد يتمكن منه .

وقوله : { أضلني عن الذكر } معناه سوّل لي الانصراف عن الحق . والضلال : إضاعة الطريق وخطؤه بحيث يسلك طريقاً غيرَ المقصود فيقع في غير المكان الذي أراده ، وإنما وقع في أرض العدوّ أو في مَسبَعة . ويستعار الضلال للحياد عن الحق والرشد إلى الباطل والسفه كما يستعار ضده وهو الهُدى ( الذي هو إصابة الطريق ) لمعرفة الحق والصواب حتى تساوى المعنيان الحقيقيان والمعنيان المجازيان لكثرة الاستعمال ، ولذلك سموا الدليل الذي يَسلك بالركب الطريقَ المقصود هَادياً .

والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول وليس مستعملاً هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف { عن } في قوله : { عن الذكر } فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق . ففي قوله : { أضلني } مكنية تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجَى ، وإثبات الإضلال عنه تخييل كإثبات الأظفار للمنية ، فهذه نكت من بلاغة نظْم الآية .

و { الذكر } : هو القرآن ، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن قاربت فهمه .

والمجيء في قوله : { إذ جاءني } مستعمل في إسماعه القرآن فكأنَّ القرآن جاءٍ حلَّ عنده . ومنه قولهم : أتاني نبأ كذا ، قال النابغة :

أتاني أبيْتَ اللعن أنك لُمتَني

فإذا حُمل الظالم في قوله : { ويوم يعضّ الظالم على يديه } على معيّن وهو عقبة بن أبي مُعيْط فمعنى مَجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أُبيُّ بن خلف وحمله على عداوته وأذاته ، وإذا حُمِل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم ، وإمكان استماعهم إياه . وإضلال خِلاّنهم إياهم صرفُ كل واحد خليلَه عن ذلك ، وتعاوُن بعضهم على بعض في ذلك .

وقيل : { الذكر } : كلمة الشهادة ، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي معيط كما تقدم ، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة ، فإن كلمة الشهادة لما كانت سببَ النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي ، ومُثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل .

و { إذْ } ظرف للزمن الماضي ، أي بعد وقتتٍ جاءني فيه الذكر ، والإتيان بالظرف هنا دون أن يقال : بعد ما جاءني ، أو بعد أن جاءني ، للإشارة إلى شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق ، ومنه قوله تعالى : { وما كان الله لِيُضِلّ قوماً بعد إذْ هداهم } [ التوبة : 115 ] أي تمكن هديه منهم .

وجملة { وكان الشيطان للإنسان خَذولاً } تذييل من كلام الله تعالى لا من كلام الظالم تنبيها للناس على أن كل هذا الإضلال من عمل الشيطان فهو الذي يسوّل لخليل الظالم إضلال خليله لأن الشيطان خذول الإنسان ، أي مجبول على شدة خذله .

والخذل : ترك نصر المستنجِد مع القدرة على نصره ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وإن يَخْذُلْكم فَمَنْ ذَا الذي يَنصرُكُم مِن بَعده } في سورة [ آل عمران : 160 ] .

فإذا أعان على الهزيمة فهو أشد الخذل ، وهو المقصود من صيغة المبالغة في وصف الشيطان بخذل الإنسان لأن الشيطان يكيد الإنسان فيورطه في الضر فهو خذول .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا} (29)

" لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني " أي يقول هذا النادم : لقد أضلني من اتخذته في الدنيا خليلا عن القرآن والإيمان به . وقيل : " عن الذكر " أي عن الرسول . " وكان الشيطان للإنسان خذولا " قيل : هذا من قول الله لا من قول الظالم . وتمام الكلام على هذا عند قوله : " بعد إذ جاءني " . والخذل الترك من الإعانة ، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك ، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم . وكل من صد عن سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان ، خذولا عند نزول العذاب والبلاء . ولقد أحسن من قال :

تجنبْ قرينَ السوء واصرِمْ حباله *** فإن لم تجد عنه مَحِيصا فَدَارِهِ

وأحبب حبيبَ الصدق واحذر مِرَاءَهُ *** تنلْ منه صفوَ الود ما لم تمارِهِ

وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا *** إذا اشتعلت نيرانه في عِذارِهِ

آخر :

اصحب خيارَ الناس حيث لقيتهم *** خير الصحابة من يكون عفيفا

والناس مثل دراهم ميزتها *** فوجدت منها فضة وزيوفا

وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك{[12122]} وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة ) لفظ مسلم . وأخرجه أبو داود من حديث أنس . وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس قال : قيل يا رسول الله ، أي جلسائنا خير ؟ قال : ( من ذكركم بالله رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله ) . وقال مالك بن دينار : إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص{[12123]} مع الفجار . وأنشد :

وصاحب خيار الناس تنج مسلَّما *** وصاحب شرار الناس يوما فتندما


[12122]:أحذاه: أعطاه.
[12123]:الخبيص: حلواء تعمل من التمر والسمن.