التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ كَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ} (15)

{ كلاَّ } حرف إبطال . وتقدم في قوله تعالى : { كلا سنكتب ما يقول } في سورة [ مريم : 79 ] . والإبطال لقوله : { فأخاف أن يقتلون } [ الشعراء : 14 ] ، أي لا يقتلونك . وفي هذا الإبطال استجابة لما تضمنه التعريض بالدعاء حين قال : { وَلَهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون } [ الشعراء : 14 ] .

وقوله : { فاذهبا بآياتنا } تفريع على مُفاد كلمة { كلاّ } . والأمر لموسى أن يذهبَ هو وهارُون يقتضي أن موسى مأمور بإبلاغ هارون ذلك فكان موسَى رسولاً إلى هارون بالنبوءة . ولذلك جاء في التوراة أن موسى أبلغَ أخاه هارون ذلك عندما تلقّاه في حوريب إذ أوحى الله إلى هارون أن يتلقاه ، والباء للمصاحبة ، أي مصاحبَيْن لآياتنا ، وهو وعد بالتأييد بمعجزات تظهر عند الحاجة . ومن الآيات : العصا التي انقلبت حية عند المناجاة ، وكذلك بياض يده كما في آية سورة [ طه : 17 ] { وما تلك بيمينك يا موسى } الآيات .

وجملة : { إنا معكم مستمعون } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن أمرهما بالذهاب إلى فرعون يثير في النفس أن يتعامى فرعون عن الآيات ولا يَرعوي عند رؤيتها عن إلحاق أذى بهما فأجيب بأن الله معهما ومستمع لكلامهما وما يجيب فرعونُ به . وهذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وكفِّ فرعون عن أذاهما . فضمير { معكم } عائد إلى موسى وهارون وقوم فرعون . والمعية معية علم كالتي في قوله تعالى : { إلاّ هو معهم أين ما كانوا } [ المجادلة : 7 ] .

و { مستمعون } أشدّ مبالغة من ( سامعون ) لأن أصل الاستماع أنه تكلف السماع والتكلف كناية عن الاعتناء ، فأريد هنا علم خاص بما يجري بينها وبين فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف .

والجمع بين قوله : { بآياتنا } وقوله : { إنا معكم مستمعون } تأكيد للطمأنة ورباطة لجأشهما .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ كَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ} (15)

" قال كلا " أي كلا لن يقتلوك . فهو ردع وزجر عن هذا الظن ، وأمر بالثقة بالله تعالى ؛ أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم ، فإنهم لا يقدرون على قتلك ، ولا يقوون عليه . " فاذهبا " أي أنت وأخوك فقد جعلته رسولا معك . " بآياتنا " أي ببراهيننا وبالمعجزات . وقيل : أي مع آياتنا . " إنا معكم " يريد نفسه سبحانه وتعالى . " مستمعون " أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون . وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما وأنه يعينهما ويحفظهما . والاستماع إنما يكون بالإصغاء ، ولا يوصف الباري سبحانه بذلك . وقد وصف سبحانه نفسه بأنه السميع البصير . وقال في " طه " : " أسمع وأرى " [ طه : 46 ] وقال : " معكم " فأجراهما مجرى الجمع ؛ لأن الاثنين جماعة . ويجوز أن يكون لهما ولمن أرسلا إليه . ويجوز أن يكون لجميع بني إسرائيل .