التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (11)

ظاهر ترتيب الأخبار أنها على وفق ترتيب مضامينها في الحصول ، وهذا يرجح أن يكون حصول مضمون { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } [ القصص : 10 ] سابقاً على حصول مضمون { وقالت لأخته قصيه } ، أي قالت لأخته ذلك بعد أن اطمأن قلبها لما ألهمته من إلقائه في اليم ، أي لما ألقته في اليم قالت لأخته : انظري أين يلقيه اليم ومتى يستخرج منه ، وقد علمت أن اليم لا يلقيه بعيداً عنها لأن ذلك مقتضى وعد الله برده إليها .

وأخت موسى اسمها مريم ، وقد مضى ذكر القصة في سورة طه .

والقصّ : اتباع الأثر ، استعمل في تتبع الذات بالنظر فلذلك عُدي إلى ضمير موسى دون ذكر الأثر . وقد تقدم في سورة الكهف ( 64 ) عند قوله { فارتدا على ءاثارهما قصصاً }

وبصُر بالشيء صار ذا بصر به ، أي باصراً له فهو يفيد قوة الإبصار ، أي قوة استعمال حاسة البصر وهو التحديق إلى المبصر ، ف ( بصر ) أشد من ( أبصر ) . فالباء الداخلة على مفعوله باء السببية للدلالة على شدة العناية برؤية المرئي حتى كأنه صار باصراً بسببه . ولك أن تجعل الباء زائدة لتأكيد الفعل فتفيد زيادة مبالغة في معنى الفعل . وتقدم في قوله تعالى { قال بصُرتُ بما لم يبصروا به } في سورة طه ( 96 ) .

والجُنُب : بضمتين البعيد . وهو صفة لموصوف يعرف من المقام ، أي عن مكان جنب .

و { عن } للمجاوزة والمجرور في موضع حال من ضمير ( بصرت ) لأن المجاوزة هنا من أحوال أخته لا من صفات المكان .

و { هم } أي آل فرعون حين التقطوه لا يشعرون بأن أخته تراقب أحواله وذلك من حذق أخته في كيفية مراقبته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (11)

قوله تعالى : " وقالت لأخته قصيه " أي قالت أم موسى لأخت موسى : اتبعي أثره حتى تعلمي خبره واسمها مريم بنت عمران ، وافق اسمها اسم مريم أم عيسى عليه السلام ، ذكره السهيلي والثعلبي . وذكر الماوردي عن الضحاك : أن اسمها كلثمة . وقال السهيلي : كلثوم . جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة : ( أشعرت أن الله زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون ) فقالت : الله أخبرك بهذا ؟ فقال : ( نعم ) فقالت : بالرفاء والبنين . " فبصرت به عن جنب " أي بعد . قاله مجاهد . ومنه الأجنبي قال الشاعر{[12336]} :

فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنَابَةٍ *** فإني امرؤٌ وسْطَ القِبَابِ غريبُ

وأصله عن مكان جنب وقال ابن عباس : " عن جنب " أي عن جانب وقرأ النعمان بن سالم : " عن جانب " أي عن ناحية وقيل : عن شوق . وحكى أبو عمرو بن العلاء أنها لغة لجذام . يقولون : جنبت إليك أي اشتقت وقيل : " عن جنب " أي عن مجانبة لها منه ، فلم يعرفوا أنها أمه بسبيل ، وقال قتادة : جعلت تنظر إليه بناحية كأنها{[12337]} لا تريده ، وكان يقرأ : " عن جنب " بفتح الجيم وإسكان النون . " وهم لا يشعرون " أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه .


[12336]:هو علقمة بن عبدة، قاله يخاطب به الحرث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا- وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأس من سجنه- فأطلق له أخاه شأسا ومن أسر معه من بني تميم.
[12337]:الزيادة من كتب التفسير.