التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (7)

عطف على جملة { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا } [ القصص : 5 ] ، إذ الكل من أجزاء النبأ . وتتضمن هذه الجملة تفصيلاً لمجمل قوله { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا } ، فإن الإرادة لما تعلقت بإنقاذ بني إسرائيل من الذل خلق الله المنقذ لهم .

والوحي هنا وحي إلهام يوجد عنده من انشراح الصدر ما يحقق عندها أنه خاطر من الواردات الإلهية . فإن الإلهام الصادق يعرض للصالحين فيوقع في نفوسهم يقيناً ينبعثون به إلى عمل ما ألهموا إليه . وقد يكون هذا الوحي برؤيا صادقة رأتها . وأم موسى لم يعرف اسمها في كتب اليهود ، وذكر المفسرون لها أسماء لا يوثق بصحتها .

وقوله { أن أرضعيه } تفسير ل { أوحينا } . والأمر بإرضاعه يؤذن بجمل طويت وهي أن الله لما أراد ذلك قدّر أن يكون مظهر ما أراده هو الجنين الذي في بطن أم موسى ووضعته أمه ، وخافت عليه اعتداء أنصار فرعون على وليدها وتحيرت في أمرها فألهمت أو أريت ما قصه الله هنا وفي مواضع أخرى .

والإرضاع الذي أمرت به يتضمن أن : أخفيه مدة ترضعه فيها فإذا خفت عليه أن يعرف خبره فألقيه في اليمّ .

وإنما أمرها الله بإرضاعه لتقوى بُنيته بلبان أمه فإنه أسعد بالطفل في أول عمره من لبان غيرها ، وليكون له من الرضاعة الأخيرة قبل إلقائه في اليمّ قوت يشد بنيته فيما بين قذفه في اليم وبين التقاط آل فرعون إياه وإيصاله إلى بيت فرعون وابتغاء المراضع ودلالة أخته إياهم على أمه إلى أن أُحضرت لإرضاعه فأرجع إليها بعد أن فارقها بعض يوم . وحكت كتب اليهود أن أم موسى خبأته ثلاثة أشهر ثم خافت أن يفشو أمره فوضعته في سفط مقيَّر وقذفته في النهر . وقد بشرها الله بما يزيل همها بأنه راده إليها وزاد على ذلك بما بشرها بما سيكون له من مقام كريم في الدنيا والآخرة بأنه { من المرسلين } .

والظاهر أن هذا الوحي إليها كان عند ولادته وأنها أمرت بأن تلقيه في اليم عندما ترى دلائل المخافة من جواسيس فرعون وذلك ليكون إلقاؤه في اليم عند الضرورة دفعاً للضر المحقق بالضر المشكوك فيه ثم ألقي في يقينها بأنه لا بأس عليه .

و { اليم } : البحر وهو هنا نهر النيل الذي كان يشق مدينة فرعون حيث منازل بني إسرائيل . واليم في كلام العرب مرادف البحر ، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر ، فالنهر العظيم يسمى بحراً قال تعالى { وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج } [ فاطر : 12 ] ، فإن اليم من الأنهار .

وقد كانت هذه الآية مثالاً من أمثلة دقائق الإعجاز القرآني فذكر عياض في « الشفاء » والقرطبي في « التفسير » يزيد أحدهما على الآخر عن الأصمعي : أنه سمع جارية أعرابية تنشد :

أستغفر الله لأمري كله *** قتلت إنساناً بغير حله

مثل غزال ناعماً في دله *** انتصف الليل ولم أُصَلِّه

وهي تريد التورية بالقرآن . فقال لها : قاتلك الله ما أفصحك يريد ما أبلغك ( وكانوا يسمون البلاغة فصاحة ) فقالت له : أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } فجمع في آية واحدة خبرين ، وأمرين ، ونهيين ، وبشارتين .

فالخبران هما { وأوحينا إلى أم موسى } وقوله { فإذا خفت عليه } لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه .

والأمران هما : { أرضعيه } و ( ألقيه ) .

والنهيان : { ولا تخافي } و { لا تحزني } .

والبشارتان : { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } .

والخوف : توقع أمر مكروه ، والحزن : حالة نفسية تنشأ من حادث مكروه للنفس كفوات أمر محبوب ، أو فقد حبيب ، أو بعده ، أو نحو ذلك .

والمعنى : لا تخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليم ، ولا تحزني على فراقه .

والنهي عن الخوف وعن الحزن نهي عن سببيهما وهما توقع المكروه والتفكر في وحشة الفراق .

وجملة { إنا رادوه إليك } في موقع العلة للنهيين لأن ضمان رده إليها يقتضي أنه لا يهلك وأنها لا تشتاق إليه بطول المغيب . وأما قوله { وجاعلوه من المرسلين } فإدخال للمسرة عليها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (7)

قوله تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " قد تقدم معنى الوحي ومحامله واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى ، فقالت فرقة : كان قولا في منامها . وقال قتادة : كان إلهاما . وقالت فرقة : كان بملك يمثل لها ، قال مقاتل أتاها جبريل بذلك فعلي هذا هو وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية ، وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور . خرجه البخاري ومسلم ، وقد ذكرناه في سورة " براءة " {[12327]} وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة ، وقد سلمت على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيا واسمها أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي . وقال الثعلبي : واسم أم موسي لوحا{[12328]} بنت هاند بن لاوى بن يعقوب " أن أرضعيه " وقرأ عمر بن عبدالعزير : " أن ارضعيه " بكسر النون وألف وصل ، حذف همزة أرضع تخفيفا ، ثم كسر النون لالتقاء الساكنين قال مجاهد : وكان الوحي بالرضاع قبل الولادة . وقال غيره بعدها . قال السدي : لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في الآية ؛ لأن الخوف كان عقيب الولادة . وقال ابن جريج : أمرت بإرضاعه أربعة أشهر في بستان ، فإذا خافت أن يصيح لأن لبنها لا يكفيه صنعت به هذا والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده قوله : " فإذا خفت عليه " و " إذا " لما يستقبل من الزمان . فيروي أنها أتخذت له تابوتا من بردي وقيرته بالقار من داخله ، ووضعت فيه موسى وألقته في نيل مصر ، وقد مضى خبره في " طه " {[12329]} قال ابن عباس : إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس ، وعملوا بالمعاصي ، فسلط الله عليهم القبط ، وساموهم سوء العذاب ، إلى أن نجاهم الله على يد موسى . قال وهب : بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد . ويقال : تسعون ألفا ويروي أنها حين اقتربت وضربها الطلق ، وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها ، فقالت : لينفعني حبك اليوم ، فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ، وارتعش كل مفصل منها ، ودخل حبه قلبها ، ثم قالت : ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ، ولكني وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله قط ، فاحفظيه ، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور نارا لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها ، فطلبوا فلم يلفوا شيئا ، فخرجوا وهي لا تدري مكانه ، فسمعت بكاءه من التنور ، وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما .

قوله تعالى : " ولا تخافي " فيه وجهان : أحدهما : لا تخافي عليه الغرق . قاله ابن زيد الثاني : لا تخافي عليه الضيعة . قاله يحيى بن سلام " ولا تحزني " فيه أيضا وجهان : أحدهما : لا تحزني لفراقه . قاله ابن زيد الثاني : لا تحزني أن يقتل . قاله يحيى بن سلام . فقيل : إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار ، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر وقال آخرون : ثلاثة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر ، في حكاية الكلبي . وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعة التابوت نم إلى فرعون بخبره ، فبعث معه من يأخذه ، فطمس الله عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق ، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون ، فآمن من ذلك الوقت ؛ وهو مؤمن آل فرعون ؛ ذكره الماوردي . وقال ابن عباس : فلما توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها : لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إلي من إلقائه في البحر فقال الله تعالى : " إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " أي إلى أهل مصر . حكى الأصمعي قال : سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول :

أستغفر الله لذنبي كلِّه *** قَبَّلْتُ إنسانًا بغيرِ حِلِّهِ

مثل الغزال ناعمًا في دَلَّهِ *** فانتصفَ الليل ولم أُصَلِّهِ

فقلت : قاتلك الله ما أفصحك ! فقالت : أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " الآية فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين .


[12327]:رجع ج 8 ص 188 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12328]:وقيل في اسمها أيضا: يوخابذ. وقيل: يوخاييل، وقيل غير ذلك.
[12329]:راجع ج 11 ص 195 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.