التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (47)

هذه جملة معترضة مستطرَدة أثارها ذكر سير الفلك في عداد النعم فعُقب ذلك بما كان سير الفلك فيه تذكير بنقمة الطوفان لقوم نوح ، وبجعل الله الفلكَ لنجاة نوح وصالحي قومه من نقمة الطوفان ، فأريد تحذير المكذبين من قريش أن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم ، وكان في تلك النقمة نصر المؤمنين ، أي نصر الرسل وأتباعهم ؛ ألا ترى إلى حكاية قول نوح : { ربّ انصرني بما كذبون } في سورة المؤمنين ( 26 ) ، وقوله تعالى هنا : وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } والواو اعتراضية وليست للعطف .

والانتقام : افتعال من النَّقْم وهو الكراهية والغضب ، وفعله كضرب وعلم قال تعالى { وما تنقِم منا } [ الأعراف : 126 ] . وفي المثل : مثَله كمثل الأرقم إن يُقتل يَنقَم بفتح القاف وإن يترك يَلْقم . والانتقام : العقوبة لمن يفعل ما لا يرضي كأنه صيغ منه الافتعال للدلالة على حصول أثر النقم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما تنقم منا } وقوله { فانتقمنا منهم } في سورة الأعراف ( 136 ) .

وكلمة { حقاً علينا } من صيغ الالتزام ، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : { حقيقٌ عليّ أن لا أقول على الله إلاَّ الحق } [ الأعراف : 105 ] ، وهو محقوق بكذا ، أي : لازم له ، قال الأعشى :

لمحقوقة أن تستجيبي لصوته

فإن وعد الصادق حق . قال تعالى : { وعداً علينا إنّا كُنّا فاعلين } [ الأنبياء : 104 ] . وقد اختصر طريق الإفصاح عن هذا الغرض أعني غرض الوعد بالنصر والوعيد له فأُدرج تحت ذكر النصر معنَى الانتصار ، وأدرج ذكر الفريقين : فريق المصدقين الموعود ، وفريق المكذبين المتوعَّد ، وقد أُخلي الكلام أولاً عن ذكرهما .

وعن أبي بكر شعبة راوي عاصم أنه كان يقف على قوله { حَقّاً } فيكون في { كان } ضمير يعود على الانتقام ، أي وكان الانتقامُ من المجرمين حقاً ، أي : عدلاً ، ثم يستأنف بقوله { علينا نصرُ المؤمنين } وكأنه أراد التخلص من إيهام أن يكون للعباد حق على الله إيجاباً فراراً من مذهب الاعتزال وهو غير لازم كما علمت . قال ابن عطية : وهو وقف ضعيف ، وكذلك قال الكواشي عن أبي حاتم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (47)

قوله تعالى : " ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات " أي المعجزات والحجج النيرات " فانتقمنا " أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر . " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " " حقا " نصب على خبر كان ، " ونصر " اسمها . وكان أبو بكر يقف على " حقا " أي وكان عقابنا حقا ، ثم قال : " علينا نصر المؤمنين " ابتداء وخبر ، أي أخبر بأنه لا يخلف{[12531]} الميعاد ، ولا خلف في خبرنا . وروي من حديث أبي الدرداء قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة - ثم تلا - " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " ) . ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري وغيرهم .


[12531]:في ج، ش:" أي أخبرنا به ولا..."