التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (20)

عطف على قصة التحاور الجاري بين أصحاب القرية والرسل الثلاثة لبيان البون بين حال المعاندين من أهل القرية وحاللِ الرجل المؤمن منهم الذي وعظهم بموعظة بالغة وهو من نفر قليل من أهل القرية .

فلك أن تجعل جملة { وجاء من أقصا المدينة } عطفاً على جملة { جاءها المرسلون } [ يس : 13 ] ولك أن تجعلها عطفاً على جملة { فقالوا إنا إليكم مرسلون } [ يس : 14 ] .

والمراد بالمدينة هنا نفس القرية المذكورة في قوله : { أصحاب القرية } [ يس : 13 ] عُبر عنها هنا بالمدينة تفنناً ، فيكون { أقصا } صفة لمحذوف هو المضاف في المعنى إلى المدينة . والتقدير : من بَعيد المدينة ، أي طرف المدينة ، وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة الإِشارة إلى أن الإِيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في قلب المدينة لأن قلب المدينة هو مسكن حكامها وأحبار اليهود وهم أبعد عن الإِنصاف والنظر في صحة ما يدعوهم إليه الرسل ، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم وخشيتهم بأسهم بخلاف سكان أطراف المدينة فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر وقلة اكتراثثٍ بالآخرين لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم لقربهم من البدو .

وبهذا يظهر وجه تقديم { من أقصا المدينة } على { رجل } للاهتمام بالثناء على أهل أقصى المدينة . وأنه قد يوجد الخير في الأطراف ما لا يوجد في الوسط ، وأن الإِيمان يسبق إليه الضعفاء لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف وعظمة إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة ، قال أبو تمام :

كانت هي الوسطَ المحميّ فاتصلت *** بها الحوادث حتى أصبحت طرَفا

وأما قوله تعالى في سورة القصص ( 20 ) { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } فجاء النظم على الترتيب الأصلي إذ لا داعي إلى التقديم إذ كان ذلك الرجل ناصحاً ولم يكن داعياً للإِيمان .

وعلى هذا فهذا الرجل غير مذكور في سفر أعمال الرسل وهو مما امتاز القرآن بالإعلام به . وعن ابن عباس وأصحابه وجد أن اسمه حبيب بن مرة قيل : كان نجاراً وقيل غير ذلك فلما أشرف الرسل على المدينة رآهم ورأى معجزة لهم أو كرامة فآمن . وقيل : كان مُؤمناً من قبل ، ولا يبعد أن يكون هذا الرجل الذي وصفه المفسرون بالنِجّار أنه هو ( سمعان ) الذي يدعى ( بالنيجر ) المذكور في الإِصحاح الحادي عشر من سفر أعمال الرسل وأن وصف النجار محرف عن ( نيجر ) فقد جاء في الأسماء التي جرت في كلام المفسرين عن ابن عباس اسم شمعون الصفا أو سمعان . وليس هذا الاسم موجوداً في كتاب أعمال الرسل .

ووصفُ الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعاً وأنه بلغه همُّ أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم ، فأراد أن ينصحهم خشيةً عليهم وعلى الرسل ، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يُقتدَى به في الإِسراع إلى تغيير المنكر .

وجملة { قال يا قوم } بدل اشتمال من جملة « جاء رجل » لأن مجيئه لما كان لهذا الغرض كان مما اشتمل عليه المجيء المذكور .

وافتتاح خطابه إياهم بندائهم بوصف القومية له قُصد منه أن في كلامه الإِيماء إلى أن ما سيخاطبهم به هو محْض نصيحة لأنه يحِب لقومه ما يحِب لنفسه .

والاتباع : الامتثال ، استعير له الاتّباع تشبيهاً للآخِذِ برأي غيره بالمتبععِ له في سيره .

والتعريف في { المرسلين } للعهد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (20)

قوله تعالى : " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " هو حبيب بن مري وكان نجارا . وقيل : إسكافا . وقيل : قصارا . وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام ، وهو ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة ، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما . ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره . قال وهب : وكان حبيب مجذوما ، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم ، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال : هل من آية ؟ قالوا : نعم ، ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك . فقال : إن هذا لعجب ! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع ، فكيف{[13204]} يفرجه ربكم في غداة واحدة ؟ قالوا : نعم ، ربنا على ما يشاء قدير ، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر . فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به ، كأن لم يكن به بأس ، فحينئذ أقبل على التكسب ، فإذا أمسى تصدق بكسبه ، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف ، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم . ف " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " الآية . وقال قتادة : كان يعبد الله في غار ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى ، فقال للمرسلين : أتطلبون على ما جئتم به أجرا ؟ قالوا : لا ما أجرنا إلا على الله . قال أبو العالية : فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه ف " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " .


[13204]:الزيادة من تفسير الألوسي.