تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزاً أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمْطِرْ علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] فعلَّمهم أن لعذاب الله آجالاً اقتضتها حِكمتهُ ، فيها رَعْي مصالح أمم آخرين ، أو استبقاءُ أجيال آتين . فالمراد ب { الناس } مجموع الأمة ، وضمير « ما كسبوا » وضمير { يؤخرهم } عائد إلى { أجل } .
ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله : { فإذا جاء أجلهم } إلا أن هذه الآية جاء فيها { بما كسبوا } وهنالك جاء فيها { بظلمهم } [ النحل : 61 ] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره . وأوثر في سورة النحل { بظلمهم } لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم المَوْءُودَات وإلا أن هنالك قال : { ما ترك عليها } [ النحل : 61 ] وهنا { ما ترك على ظهرها } وهو تفنن تبعه المعري في قوله :
وإن شئت فازعم أن مَن فوق ظهرها *** عبيدُك واستشهدْ إلهاك يَشْهَدِ
والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام . والظهر : حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها ، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان صدره وبطنه . وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيهاً للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية . ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة .
فأما قوله هنا : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } ، وقد قال هنالك { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [ النحل : 61 ] ، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى . والتقدير : فإذا جاء أجلهم آخذَهم بما كسبوا فإن الله كان بعباده بصيراً ، أي عليماً في حالي التأخير ومجيء الأجل ، ولهذا فقوله : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } دليل جواب ( إذَا ) وليس هو جوابها ، ولذلك كان حقيقاً بقرنه بفاء التسبب ، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال .
وقوله : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } هو أيضاً جواب عن سؤال مقدر أن يقال : ماذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس ، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون ، فأفيد أن الله أعلم بعدله . فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإِنسان كما قال تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [ البقرة : 29 ] ، فإهلاكها قد يكون إنذاراً للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم ، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقاً إلى النجاة كما نجّى هوداً ومن معه ، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « ثم يحشرون على نياتهم » .
قوله تعالى : " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا " يعني من الذنوب . " ما ترك على ظهرها من دابة " قال ابن مسعود : يريد جميع الحيوان مما دب ودرج . قال قتادة : وقد فعل ذلك ومن نوح عليه السلام . وقال الكلبي : " من دابة " يريد الجن والإنس دون غيرهما ؛ لأنهما مكلفان بالعقل . وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل : أراد بالدابة هنا الناس هنا وحدهم دون غيرهم .
قلت : والأول أظهر ؛ لأنه عن صحابي كبير . قال ابن مسعود : كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم . وقال يحيى بن أبي كثير : أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر ، فقال له رجل : عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه . فقال أبو هريرة : كذبت ؟ والله الذي لا إله إلا هو . ثم قال : والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم . وقال الثمالي ويحيى بن سلام في هذه الآية : يحبس الله المطر فيهلك كل شيء . وقد مضى في " البقرة " نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير " ويلعنهم اللاعنون " {[13181]} هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم . وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " ويلعنهم اللاعنون " قال : ( دواب الأرض ) . " ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم " قال مقاتل : الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ . وقال يحيى : هو يوم القيامة . " فإن الله كان بعباده " أي بمن يستحق العقاب منهم " بصيرا " ولا يجوز أن يكون العامل في " إذا " " بصيرا " كما لا يجوز : اليوم إن زيدا خارج . ولكن العامل فيها " جاء " لشبهها بحروف المجازاة ، والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها . وسيبويه لا يرى المجازاة ب " إذا " إلا في الشعر ، كما قال :
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلها *** خُطانا إلى أعدائنا فنضارب{[13182]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.