التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا} (45)

تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزاً أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمْطِرْ علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] فعلَّمهم أن لعذاب الله آجالاً اقتضتها حِكمتهُ ، فيها رَعْي مصالح أمم آخرين ، أو استبقاءُ أجيال آتين . فالمراد ب { الناس } مجموع الأمة ، وضمير « ما كسبوا » وضمير { يؤخرهم } عائد إلى { أجل } .

ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله : { فإذا جاء أجلهم } إلا أن هذه الآية جاء فيها { بما كسبوا } وهنالك جاء فيها { بظلمهم } [ النحل : 61 ] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره . وأوثر في سورة النحل { بظلمهم } لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم المَوْءُودَات وإلا أن هنالك قال : { ما ترك عليها } [ النحل : 61 ] وهنا { ما ترك على ظهرها } وهو تفنن تبعه المعري في قوله :

وإن شئت فازعم أن مَن فوق ظهرها *** عبيدُك واستشهدْ إلهاك يَشْهَدِ

والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام . والظهر : حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها ، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان صدره وبطنه . وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيهاً للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية . ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة .

فأما قوله هنا : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } ، وقد قال هنالك { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [ النحل : 61 ] ، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى . والتقدير : فإذا جاء أجلهم آخذَهم بما كسبوا فإن الله كان بعباده بصيراً ، أي عليماً في حالي التأخير ومجيء الأجل ، ولهذا فقوله : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } دليل جواب ( إذَا ) وليس هو جوابها ، ولذلك كان حقيقاً بقرنه بفاء التسبب ، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال .

وقوله : { فإن اللَّه كان بعباده بصيراً } هو أيضاً جواب عن سؤال مقدر أن يقال : ماذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس ، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون ، فأفيد أن الله أعلم بعدله . فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإِنسان كما قال تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [ البقرة : 29 ] ، فإهلاكها قد يكون إنذاراً للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم ، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقاً إلى النجاة كما نجّى هوداً ومن معه ، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « ثم يحشرون على نياتهم » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا} (45)

قوله تعالى : " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا " يعني من الذنوب . " ما ترك على ظهرها من دابة " قال ابن مسعود : يريد جميع الحيوان مما دب ودرج . قال قتادة : وقد فعل ذلك ومن نوح عليه السلام . وقال الكلبي : " من دابة " يريد الجن والإنس دون غيرهما ؛ لأنهما مكلفان بالعقل . وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل : أراد بالدابة هنا الناس هنا وحدهم دون غيرهم .

قلت : والأول أظهر ؛ لأنه عن صحابي كبير . قال ابن مسعود : كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم . وقال يحيى بن أبي كثير : أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر ، فقال له رجل : عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه . فقال أبو هريرة : كذبت ؟ والله الذي لا إله إلا هو . ثم قال : والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم . وقال الثمالي ويحيى بن سلام في هذه الآية : يحبس الله المطر فيهلك كل شيء . وقد مضى في " البقرة " نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير " ويلعنهم اللاعنون " {[13181]} هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم . وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " ويلعنهم اللاعنون " قال : ( دواب الأرض ) . " ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم " قال مقاتل : الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ . وقال يحيى : هو يوم القيامة . " فإن الله كان بعباده " أي بمن يستحق العقاب منهم " بصيرا " ولا يجوز أن يكون العامل في " إذا " " بصيرا " كما لا يجوز : اليوم إن زيدا خارج . ولكن العامل فيها " جاء " لشبهها بحروف المجازاة ، والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها . وسيبويه لا يرى المجازاة ب " إذا " إلا في الشعر ، كما قال :

إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلها *** خُطانا إلى أعدائنا فنضارب{[13182]}

ختمت سورة " فاطر " والحمد لله .


[13181]:راجع ج 2 ص 186 طبعة ثانية.
[13182]:البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري راجع ج 1 ص 201 طبعة ثانية أو ثالثة.