التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (69)

جملة { ما كَانَ لي من علمٍ بالملأ الأعلى إذ يختصمونَ } اعتراض إبلاغ في التوبيخ على الإِعراض عن النبأ العظيم ، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحىً به من الله وليس للرسول صلى الله عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي الله إليه به . وذكر فعل { كان } دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن قبل أن يوحى إليه بذلك كما قال تعالى : { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } [ آل عمران : 44 ] وقوله : { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } [ القصص : 44 ] .

والباء في قوله : { بالمَلأ الأعلى } على كلا المعنيين للنبأ ، لتعدية { عِلم } لتضمينه معنى الإِحاطة ، وهو استعمال شائع في تعدية العلم . ومنه ما في حديث سؤال الملكين في « الصحيح » فيقال له : ما علمك بهذا الرجل . ويجوز على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية ، أي ما كان لي علم كائن في الملأ الأعلى ، أي ما كنت حاضراً في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله : { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأم } [ القصص : 44 ] .

والملأُ : الجماعة ذات الشأن ، ووصفه ب { الأعلى } لأن المراد ملأُ السماوات وهم الملائكة ولهم علوّ حقيقي وعلوّ مجازيّ بمعنى الشرف .

و { إذْ يَخْتَصِمُونَ } ظرف متعلق بفعل { ما كانَ لي من عِلم } أي حين يختصم أهل الملأ الأعلى على أحد التأويلين ، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في السماء . والتعبير بالمضارع في موضع المضيّ لقصد استحضار الحالة ، أو حين يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى ، أي ملائكة النار أو ملائكة المحشر ، والمضارع على أصله من الاستقبال .

والاختصام : افتعال من خَصمَه ، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خَصَم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (69)

قوله تعالى : ( ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ) : الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدي اختصموا في أمر آدم حين خلق ف " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها " [ البقرة : 30 ] وقال إبليس : " أنا خير منه " [ الأعراف :12 ] وفي هذا بيان أن محمدا صلى الله عله وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره ، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي ، فقد قامت المعجزة على صدقه ، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه ؛ ولهذا وصل قوله بقوله : " قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون " . وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سألني ربي فقال : يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : في الكفارات والدرجات قال : وما الكفارات ؟ قلت : المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السَّبَرَات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال : وما الدرجات ؟ قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ) خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس ، وقال فيه حديث غريب . وعن معاذ بن جبل أيضا وقال حديث حسن صحيح . وقد كتبناه بكماله في كتاب : الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ، وأوضحنا إشكاله والحمد لله . وقد مضى في " يس " القول في المشي إلى المساجد ، وأن الخطا تكفر السيئات ، وترفع الدرجات . وقيل : الملأ الأعلى الملائكة والضمير في " يختصمون " لفرقتين . يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله ، ومن قال آلهة تعبد . وقيل : الملأ الأعلى ها هنا قريش ، يعني اختصامهم فيما بينهم سرا ، فأطلع الله نبيه على ذلك .