التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ} (24)

تفريع على جواب { إذا } [ فصلت : 20 ] على كلا الوجهين المتقدمين ، أو تفريع على جملة { وَقَالُوا لِجُلُودِهِم لِمَ شَهِدْتُم عَلَيْنا } [ فصلت : 21 ] ، أو هو جواب { إذا } ، وما بينهما اعتراض على حسب ما يناسب الوُجوه المتقدمة . والمعنى على جميع الوجوه : أن حاصل أمرهم أنهم قد زُجَّ بهم في النار فإن صَبَروا واستسلموا فهم باقون في النار ، وإن اعتذروا لم ينفعهم العذر ولم يقبل منهم تنصل .

وقوله : { فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُم } دليل جواب الشرط لأن كون النار مثوى لهم ليس مُسبَّباً على حصول صبرهم وإنما هو من باب قولهم : إن قَبِل ذلك فذاك ، أي فهو على ذلك الحال ، فالتقدير : فإن يصبروا فلا يَسَعُهم إلا الصبر لأن النار مثوى لهم .

ومعنى { وَإن يَسْتَعتِبُوا } إنْ يسألوا العُتْبَى ( بضم العين وفتح الموحدة مقصوراً اسم مصدر الإِعتاب ) وهي رجوع المعتُوب عليه إلى ما يُرضي العاتب . وفي المَثل « مَا مُسيء من أعْتَبَ » أي من رجع عمَّا أساء به فكأنه لم يسىء . وقلما استعملوا المصدر الأصلي بمعنى الرجوع استغناء عنه باسم المصدر وهو العتبى . والعاتب هو اللائم ، والسين والتاء فيه للطلب لأن المرء لا يسأل أحداً أن يعاتبه وإنما يسأله ترك المعاتبة ، أي يسأله الصفح عنه فإذا قبل منه ذلك قيل : أَعْتبه أيضاً ، وهذا من غريب تصاريف هذه المادة في اللغة ولهذا كادوا أن يميتوا مصدر : أعتب بمعنى رجَع وأبقوه في معنى قَبِل العُتَبى ، وهو المراد في قوله تعالى : { فَمَا هُم مِنَ المُعتَبِينَ } أي أن الله لا يُعتبهم ، أي لا يقبل منهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ} (24)

قوله تعالى : " فإن يصبروا فالنار مثوى لهم " أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم . نظيره : " فما أصبرهم على النار " [ البقرة : 175 ] على ما تقدم{[13434]} . " وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين " في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم " فما هم من المعتبين " . وقيل : المعنى " فإن يصبروا " في النار أو يجزعوا " فالنار مثوى لهم " أي لا محيص لهم عنها ، ودل على الجزع قوله : " وإن يستعتبوا " لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه . قال النابغة :

فإن أكُ مظلومًا فعبدٌ ظلمتَه *** وإن تكُ ذا عُتْبَى فمثلُك يُعْتِبُ

أي مثلك من قبل الصلح والمراجعة إذا سئل . قال الخليل : العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة . تقول : عاتبته معاتبة ، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها . يقال : إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب . وأعتبني فلان : إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة ، والاسم منه العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب . واستعتب وأعتب بمعنى ، واستعتب أيضا طلب أن يعتب ، تقول : استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني . فمعنى " وإن يستعتبوا " أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار . وفي التفاسير : وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين . وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية " وإن يستعتبوا " بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول " فما هم من المعتبين " بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء ، قال الله تعالى : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " [ الأنعام : 28 ] ذكره الهروي . وقال ثعلب : يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي .


[13434]:راجع ج 2 ص 236 طبعة ثانية.