عطف على جملة { لهم فيها دارُ الخُلدِ } [ فصلت : 28 ] ، أي ويقولون في جهنم ، فعدل عن صيغة الاستقبال إلى صيغة المضيّ للدلالة على تحقيق وقوع هذا القول وهو في معنى قوله تعالى : { حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فئآتهم عذاباً ضعفاً من النار } [ الأعراف : 38 ] ، فالقائلون { رَبَّنَا أَرِنَا اللذين أضلانا } : هم عامّةُ المشركين ، كما يدل عليه قوله : { اللذَيْنِ أَضَلاَّنَا } .
ومعنى { أَرِنَا } عيّن لنا ، وهو كناية عن إرادة انتقامهم منهم ولذلك جُزم { نَجْعَلْهُمَا } في جواب الطلب على تقدير : إن ترناهما نجعلهما تحت أقدامنا .
والجعل تحت الأقدام : الوطء بالأقدام والرفسُ ، أي نجعل آحادهم تحت أقدام آحاد جماعتنا ، فإن الدهماء أكثر من القادة فلا يعوزهم الانتقام منهم . وكان الوطء بالأرجل من كيفيات الانتقام والامتهان ، قال ابن وَعْلَة الجَرمي :
ووَطِئْنَا وَطْأً على حَنَق *** وَطْأَ المُقَيَّد نابتَ الهَرْم
وإنما طلبوا أن يُرَوْهُما لأن المضلين كانوا في دركات من النار أسفل من دركات أتباعهم فلذلك لم يعرفوا أين هم .
والتعليل { لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ } توطئة لاستجابة الله تعالى لهم أن يريَهُمُوهُما لأنهم علموا من غضب الله عليهم أنه أشد غضباً على الفريقين المضلين فتوسلوا بعزمهم على الانتقام منهم إلى تيسير تمكينهم من الانتقام منهم . والأسفلون : الذين هم أشد حَقارة من حقارة هؤلاء الذين كفروا ، أي ليكونوا أحقر منا جزاء لهم ، فالسفالة مستعارة للإِهانة والحقارة .
وقرأ الجمهور { أَرِنَا } بكسر الراء . وقرأه ابن كثير وابن عامر والسوسي عن أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوبُ بسكون الراء للتخفيف من ثقل الكسرة ، كما قالوا : فَخْذ في فَخِذ . وعن الخليل إذا قلت : أرِني ثوبك بكسر الراء ، فالمعنى : بصِّرْنيه ، وإذا قلته بسكون الراء فهو استعطاء ، معناه : أعطنيه . وعلى هذا يَكون معنى قراءة ابن كثير وابن عامر ومَن وافقهما : مَكِّنا من الذين أضلاَّنا كي نجعلهما تحت أقدامنا ، أي ائذَن لنا بإهانتهما وخزيهما . وقرأ ابن كثير { اللَّذينِّ } بتشديد النون من اسم الموصول وهي لغة ، وتقدم في قوله تعالى : { واللذانِّ يأتيانها منكم } في سورة النساء ( 16 ) .
قوله تعالى : " وقال الذين كفروا " يعني في النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " يعني إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه . عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ، ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع : ( ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ذنبه لأنه أول من سن القتل ) خرجه الترمذي ، وقيل : هو بمعنى الجنس وبني على التثنية لاختلاف الجنسين . " نجعلهما تحت أقدامنا " سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم " ليكونا من الأسفلين " في النار وهو الدرك الأسفل سألوا أن يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس . وقرأ ابن محيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل " أرنا " بإسكان الراء ، وعن أبي عمرو أيضا باختلاسها . وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدم في " الأعراف " {[13437]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.