التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (21)

وإنما قالوا لجلودهم { لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا } دون أن يقولوه لسمعهم وأبصارهم لأن الجلود مواجهة لهم يتوجهون إليها بالملامة . وإجراء ضمائر السمع والبصر والجلود بصيغتي ضمير جمع العقلاء لأن التحاور معها صيرها بحالة العقلاء يومئذٍ . ومن غريب التفسير قول من زعموا أن الجلود أريد بها الفروج ونسب هذا للسدي والفراء ، وهو تعنت في محمل الآية لا داعي إليه بحال ، وعلى هذا التفسير بنى أحمد الجرجاني في كتاب « كنايات الأدباء » فعدَّ الجلود من الكنايات عن الفُروج وعزاه لأهل التفسير فجازف في التعبير .

والاستفهام في قولهم : { لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا } مستعمل في الملامة وهم يحسبون أن جلودهم لكونها جزءاً منهم لا يحق لها شهادتها عليهم لأنها تجر العذاب إليها . واستعمال الاستفهام عن العلة في معرض التوبيخ كثير كقوله تعالى : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } [ آل عمران : 66 ] .

وقول الجلود { أنطَقَنَا الله } اعتذار بأن الشهادة جرت منها بغير اختيار . وهذا النطق من خوارق العادات كما هو شأن العالم الأخروي . وقولهم : { الَّذِي أنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } تمجيد لله تعالى ولا علاقة له بالاعتذار ، والمعنى : الذي أنطق كل شيء له نطق من الحيوان واختلاف دلالة أصواتها على وجدانها ، فعموم { كُلَّ شَيْءٍ } مخصوص بالعرف .

{ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ ترجعون }

يجوز أن تكون هذه الجملة والتي عطفت عليها من تمام ما أنطق الله به جلودهم قُتفِّيَ على مقالتها تشهيراً بخطئهم في إنكارهم البعث والمصير إلى الله لزيادة التنديم والتحسير ، وهذا ظاهر كون الواو في أول الجملة واو العطف فيكون التعبير بالفعل المضارع في قوله : { وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لاستحضار حالتهم فإنهم ساعتئذٍ في قبضة تصرف الله مباشرة . وأما رجوعهم بمعنى البعث فإنه قد مضى بالنسبة لوقت إحضارهم عند جهنم ، أو يكون المراد بالرجوع الرجوع إلى ما ينتظرهم من العذاب .

ويجوز أن تكون هذه الجملة وما بعدها اعتراضاً بين جملة { وَيَوْمَ نُحْشَرُ أعْدَاءَ الله إلى النَّارِ } وجملة { فَإنْ يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوىً لَهُم } [ فصلت : 24 ] موجهاً من جانب الله تعالى إلى المشركين الأحياء لتذكيرهم بالبعث عقب ذكر حالهم في القيامة انتهازاً لفرصة الموعظة السابقة عند تأثرهم بسماعها .

ويكون فعل { تُرْجَعُونَ } مستعملاً في الاستقبال على أصله ، والكلام استدلال على إمكان البعث . قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } [ ق : 15 ] . وتقديم متعلق { تُرْجَعُونَ } عليه للاهتمام ورعاية الفاصلة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (21)

" وقالوا " يعني الكفار " لجلودهم لم شهدتم علينا " وإنما كنا نجادل عنكم " قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء " لما خاطبت وخوطبت أجريت مجرى من يعقل . " وهو خلقكم أول مرة " أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا ، فمن قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء . وقيل : " وهو خلقكم أول مرة " ابتداء كلام من الله . " وإليه ترجعون " وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله فضحك فقال : ( هل تدرون مم أضحك ) قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجزني من الظلم قال : يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني . قال : يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله قال : ثم يخلي بينه وبين الكلام قال : فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ) وفي حديث أبي هريرة ثم يقال : ( الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه{[13431]} : انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه{[13432]} وذلك المنافق ، وذلك الذي سخط الله عليه ) خرجه أيضا مسلم .


[13431]:الزيادة من صحيح مسلم.
[13432]:ليعذر من نفسه: على بناء الفاعل من الإعذار، والمعنى: ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه، ولشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر. (هامش مسلم).