التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ} (12)

هذا الانتقال من الاستدلال والامتنان بخلق وسائل الحياة إلى الاستدلال بخلق وسائل الاكتساب لصلاح المعاش ، وذكر منها وسائل الإنتاج وأتبعها بوسائل الاكتساب بالأسفار للتجارة . وإعادة اسم الموصول لما تقدم في نظيره آنفاً .

والأزواج : جمع زوج ، وهو كل ما يصير به الواحد ثانياً ، فيطلق على كل منهما أنه زوج للآخر مثل الشفع . وغلب الزوج على الذكر وأنثاه من الحيوان ، ومنه { ثمانية أزواج } في سورة الأنعام ( 143 ) ، وتوسع فيه فأطلق الزوج على الصنف ومنه قوله : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } [ الرعد : 3 ] . وكلا الاطلاقين يصح أن يراد هنا ، وفي أزواج الأنعام منافع بألبانها وأصوافها وأشعارها ولحومها ونتاجها .

ولما كان المتبادرُ من الأزواج بادىء النظر أزواجَ الأنعام وكان من أهمها عندهم الرواحل عطف عليها ما هو منها وسائل للتنقل برّاً وأدمج معها وسائل السفر بحراً . فقال : { وجعل لكم من الفُلك والأنعام ما تركبون } فالمراد ب { ما تركبون } بالنسبة إلى الأنعام هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى : { وآيةٌ لهم أنّا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } [ يس : 41 ، 42 ] وقد قالوا : الإبلُ سفائن البر .

وجيء بفعل { جَعل } مراعاة لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة ، والأنعام قد عُرف أنها مخلوقة لشمول قوله : { خلَق الأزواج } إياها . ومعنى جَعل الله الفلكَ والأنعامَ مركوبة : أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها إلى استعمال الموجودات في نفعه فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها واحتال كيف يَروض الأنعام ويركبها .

وقُدم الفلك على الأنعام لأنها لم يشملها لفظ الأزواج فذكرها ذكرُ نعمة أخرى ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة . فلما ذكر الفلك بعنوان كونها مركوباً عطف عليها الأنعام فصار ذكر الأنعام مترقباً للنفس لمناسبة جديدة ، وهذا كقول امرىء القيس :

كأنيَ لم أركَبْ جواداً للــذةٍ *** ولم أتَبطن كاعباً ذات خَلْخَال

ولم أسبَأ الراحَ الكُميت ولم أقُلْ *** لخيليَ كُرّي كَرَّةً بعدَ إجفال

إذ أعقب ذكر رُكوب الجواد بذكر تبطّن الكاعب للمناسبة ، ولم يعقبه بقوله : ولم أقل لخيلي كري كرة ، لاختلاف حال الركوبين : ركوب اللّذة وركوب الحَرب .

والركوب حقيقته : اعتلاء الدابّة للسير ، وأطلق على الحصول في الفُلك لتشبيههم الفُلك بالدابّة بجامع السير فركوب الدابة يتعدّى بنفسه وركوب الفلك يتعدّى ب ( في ) للفرق بين الأصيل واللاحق ، وتقدم عند قوله تعالى : { وقال اركبوا فيها } في سورة هود ( 41 ) .

و { من الفلك والأنعام } بيان لإبهام { ما } الموصولة في قوله : { ما تركبون } . وحذف عائد الصلة لأنه متصل منصوب ، وحذفُ مثله كثير في الكلام . وإذ قد كان مفعول { تركبون } هنا مبيَّناً بالفُلك والأنعام كان حق الفعل أن يعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر ب ( في ) فغلِّبت التعدية المباشرة على التعدية بواسطة الحرف لظهور المراد ، وحُذف العائد بناء على ذلك التغليب .

واستعمال فعل { تركبون } هنا من استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ} (12)

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " والذي خلق الأزواج " أي والله الذي خلق الأزواج . قال سعيد بن جبير : أي الأصناف كلها . وقال الحسن : الشتاء والصيف والليل والنهار والسموات والأرض والشمس والقمر والجنة والنار . وقيل : أزواج الحيوان من ذكر وأنثى . قاله ابن عيسى . وقيل : أراد أزواج النبات ، كما قال تعالى : " وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " {[13588]} [ ق : 7 ] و " من كل زوج كريم " {[13589]} [ لقمان : 10 ] . وقيل : ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر ، وإيمان وكفر ، ونفع وضر ، وفقر وغنى ، وصحة وسقم .

قلت : وهذا القول يعم الأقوال كلها ويجمعها بعمومه .

قوله تعالى : " وجعل لكم من الفلك " السفن " والأنعام " الإبل " ما تركبون " في البر والبحر . " لتستووا على ظهوره " ذكر الكناية لأنه رده إلى ما في قوله : " ما تركبون " . قاله أبو عبيد . وقال الفراء : أضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس ، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند ؛ فلذلك ذكر ، وجمع الظهور ، أي على ظهور هذا الجنس .

الثانية- قال سعيد بن جبير : الأنعام هنا الإبل والبقر . وقال أبو معاذ : الإبل وحدها ، وهو الصحيح لقوله عليه السلام : بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر ) . وما هما{[13590]} في القوم . وقد مضى هذا في أوّل سورة " النحل " {[13591]} مستوفى والحمد لله .


[13588]:آية 8 سورة ق.
[13589]:آية 7 سورة الشعراء.
[13590]:أي أبو بكر وعمر لم يكونا حاضرين.
[13591]:راجع ج 10 ص 72.