التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ} (22)

هذا إضراب إبطال عن الكلام السابق من قوله تعالى : { فهم به مستمسكون } [ الزخرف : 21 ] فهو إبطال للمنفي لا للنفي ، أي ليس لهم علم فيما قالوه ولا نقل . فكان هذا الكلام مسوقاً مساق الذمّ لهم إذ لم يقارنوا بين ما جاءهم به الرّسول وبين ما تلقوه من آبائهم فإن شأن العاقل أن يميّز ما يُلقَى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار الحق .

والأمة هنا بمعنى الملة والدّين ، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء ( 92 ) { إنَّ هذه أمتكم أمةً واحدةً } وقول النابغة :

وهل يأثمن ذو أُمة وهو طائع

أي ذو دِين .

و{ على } استعارة تبعية للملابسة والتمكن .

وقوله : { على آثارهم } خبرُ ( إنَّ ) . و { مهتدون } خبر ثان . ويجوز أن يكون { على آثارهم } متعلقاً ب { مهتدون } بتضمين { مهتدون } معنى سائرون ، أي أنهم لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آبائهم ، وذلك ما يقولونه عند المحاجّة إذ لا حجة لهم غير ذلك . وجعلوا اتّباعهم إياهم اهتداء لشدة غرورهم بأحوال آبائهم بحيث لا يتأملون في مصادفة أحوالهم للحق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ} (22)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة " أي على طريقة ومذهب . قاله عمر بن عبد العزيز . وكان يقرأ هو ومجاهد وقتادة " على إمة " بكسر الألف . والأمة الطريقة . وقال الجوهري : والإمة ( بالكسر ) . النعمة . والإمة أيضا لغة في الأمة ، وهي الطريقة والدين ، عن أبي عبيدة . قال عدي بن زيد في النعمة :

ثم بعد الفَلاح والمُلك والأ *** مَّة وارتْهُم هناك القبور

عن غير الجوهري . وقال قتادة وعطية : " على أمة " على دين ، ومنه قول قيس بن الخطيم :

كنا على أُمَّةِ أبائنا *** ويقتدي الآخرُ بالأَوَّلِ

قال الجوهري : والأمة الطريقة والدين ، يقال : فلان لا أمة له ، أي لا دين له ولا نحلة . قال الشاعر :

وهل يستوي ذُو أمَّةٍ وكفورُ

وقال مجاهد وقطرب : على دين على ملة . وفي بعض المصاحف " قالوا إنا وجدنا آباءنا على ملة " وهذه الأقوال متقاربة . وحكي عن الفراء على ملة على قبلة . الأخفش : على استقامة ، وأنشد قول النابغة :

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً *** وهل يأْثَمَنْ ذو أُمَّةٍ وهو طائعُ

الثانية- قوله تعالى : " وإنا على آثارهم مهتدون " أي نهتدي بهم .