التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ} (17)

جملة { وإذا بُشِّر أحدهم } يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير النصب في { وأصفاكم ربّكم بالبنين ، ومقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب في قوله : أحدهم } فعدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة على طريق الالتفات ليكونوا محكياً حالهم إلى غيرهم تعجيباً من فساد مقالتهم وتشنيعاً بها إذ نسبوا لله بنات دون الذّكور وهو نقص ، وكانوا ممن يكره البنات ويَحقِرهُنَّ فنسبَتها إلى الله مفض إلى الاستخفاف بجانب الإلهية .

والمعنى : أأتّخذ مما يخلق بنات الله وأصفاكم بالبنين في حال أنكم إذا بُشّر أحدكم بما ضربه للرحمان مثلاً ظَلَّ وجهه مسودّاً . ويجوز أن تكون اعتراضاً بين جملة { أم اتخذ مما يَخْلُق بناتٍ } وجملة { أوَ مَنْ ينشأ في الحِلية } [ الزخرف : 18 ] .

واستعمال البشارة هنا تهكّم بهم كقوله : { فبشرهم بعذابٍ أليمٍ } [ الإنشقاق : 2 ] لأن البشارة إعلام بحصول أمر مسرّ .

و ( ما ) في قوله : { بما ضرب للرحمان مثلاً } موصولة ، أي بُشر بالجنس الذي ضربه ، أي جعله مثَلاً وشبهاً لله في الإلهية ، وإذ جعلوا جنس الأنثى جزْءاً لله ، أي منفصلاً منه فالمبشَّر به جنس الأنثى ، والجنس لا يتعين . فلا حاجة إلى تقدير بشر بمِثل ما ضربه للرحمان مثلاً .

والمَثَل : الشبيه .

والضرْب : الجعل والصنع ، ومنه ضَرْب الدينار ، وقولهم : ضَرْبةُ لَازِبٍ ، فَمَا صْدَقُ { بما ضرب للرحمان مثلاً } هو الإناث .

ومعنى { ظَلّ } هنا : صار ، فإن الأفعال الناقصة الخمسة المفتتح بها باب الأفعال الناقصة ، تستعمل بمعنى صار .

واسوِداد الوجه من شدة الغضب والغيظ إذ يصعد الدم إلى الوجه فتصير حمرته إلى سواد ، والمعنى : تغيَّظ .

والكظيم : الممسك ، أي عن الكلام كرباً وحزناً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ} (17)

قوله تعالى : " وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا " أي بأنه ولدت له بنت " ظل وجهه " أي صار وجهه " مسودا " قيل ببطلان مثله الذي ضربه . وقيل : بما بشر به من الأنثى ، دليله في سورة النحل : " وإذا بشر أحدهم بالأنثى " {[13600]}[ النحل : 58 ] . ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت له أنثى اغتم واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب . وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت :

ما لأبي حمزةَ{[13601]} لا يأتينا *** يظلُّ في البيت الذي يلينا

غضبانَ ألا نلد البَنِينَا *** وإنما نأخذ ما أُعْطينا

وقرئ " مسودٌّ ، ومسوادٌّ " . وعلى قراءة الجماعة يكون وجهه اسم " ظل " و " مسودا " خبر " ظل " . ويجوز أن يكون في " ظل " ضمير عائد على أحد وهو اسمها ، و " وجهه " بدل من الضمير ، و " مسودا " خبر " ظل " . ويجوز أن يكون رفع " وجهه " بالابتداء ويرفع " مسودا " على أنه خبره ، وفي " ظل " اسمها والجملة خبرها . " وهو كظيم " أي حزين . قاله قتادة . وقيل مكروب ، قاله عكرمة . وقيل ساكت . قاله ابن أبي حاتم ، وذلك لفساد مثله وبطلان حجته . ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شبها لله ؛ لأن الولد من جنس الوالد وشبهه . ومن اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى ، أولى من أن يسود وجهه بإضافة مثل ذلك إلى من هو أجل منه ، فكيف إلى الله عز وجل ! وقد مضى في " النحل " في معنى هذه الآية ما فيه كفاية{[13602]} .


[13600]:راجع ج 10 ص 116.
[13601]:في رواية "جمرة" بالجيم. وفي بلوغ الأرب للآلوسي:" لأبي الذلفاء"
[13602]:راجع ج 10 ص 116.