التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ} (19)

عَطف على { وجعلوا له من عباده جزءاً } [ الزخرف : 15 ] ، أعيد ذلك مع تقدم ما يغني عنه من قوله : { أم اتخذَ مما يخلق بناتٍ } [ الزخرف : 16 ] ليبْنَى عليه الإنكار عليهم بقوله : { أَأُشهدوا خلقهم } استقراء لإبطال مقالهم إذ أُبطل ابتداءً بمخالفته لدليل العقل وبمخالفته لما يجب لله من الكمال ، فكمُل هنا إبطاله بأنه غير مستند لدليل الحس .

وجملة { الذين هم عند الرحمن } صفة الملائكة . قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب { عند } بعين فنون ودال مفتوحة والعندية عندية تشريف ، أي الذين هم معدودون في حضرة القدس المقدسة بتقديس الله فهم يتلقون الأمر من الله بدون وساطة وهم دائبون على عبادته ، فكأنهم في حضرة الله ، وهذا كقوله : { وله ما في السماوات والأرض ومَن عنده } [ الأنبياء : 19 ] وقوله : { إن الذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته } [ الأعراف : 206 ] ومِنْه قول النبي صلى الله عليه وسلم « تحاجَّ آدمُ وموسى عندَ الله عز وجل » الحديث ، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه { عِنْد } .

وقرأ الباقون { عِبَادُ الرحمن } بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على معنى : الذين هم عباد مُكرمون ، فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى : { بل عبادٌ مكرمون } [ الأنبياء : 26 ] والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب كقوله تعالى : { فكذّبوا عَبْدنَا } [ القمر : 9 ] .

وجملة { أَأُشهدوا خلقهم } معترضة بين جملة { وجعلوا الملائكة } وجملةِ { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } [ الزخرف : 20 ] .

وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين { أَأُشْهدوا } مبنياً للنائب وكيفية أداء الهمزتين يَجري على حكم الهمزتين في قراءة نافع ، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ . وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعِل معلوم أنه الله تعالى لأن العالَم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا مَن أمر الله بحضوره ، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كُلّ ملَك موكَّللٍ بباب من أبواب السماوات لِجبريل حين يستفتح ( من أنت ؟ قال : جبريل ، قال : ومن معك ؟ قال : محمد قال : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قال : مرحباً ونعم المجيء جاء وفتح له ) .

والمعنى : أأشهدهم الله خلق الملائكة وكقوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض } [ الكهف : 51 ] .

وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل ، فالهمزة لاستفهام الإنكار دخلت على فعل شَهِد ، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى : { أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون } [ الصافات : 150 ] .

وجملة { ستكتب شهادتهم } بدل اشتمال من جملة { أَأُشهدوا خلقهم } لأن ذلك الإنكار يشتمل على الوعيد . وهذا خبر مستعمل في التوعد . وكتابة الشهادة كناية عن تحقق العقاب على كذبهم كما تقدم آنفاً في قوله : { وإنه في أُم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم } [ الزخرف : 4 ] ومنه قوله تعالى : { سنكتب ما قالوا } [ آل عمران : 181 ] . والسِّين في { ستكتب } لتأكيد الوعيد .

والمراد بشهادتهم : ادعاؤهم أن الملائكة إناثاً ، وأطلق عليها شهادة تهكماً بهم .

والسؤال سؤال تهديد وإنذار بالعقاب وليس مما يتطلب عنه جواب كقوله تعالى : { ثم لتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم } [ التكاثر : 8 ] ، ومنه قول كعب بن زهير :

لَذاكَ أهيبُ عندي إذْ أُكلمه *** وقيل إنّك مَنْسُوبٌ ومَسْؤول

أي مسؤول عما سبق منك من التكذيب الذي هو معلوم للسائِل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ} (19)

" وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " قرأ الكوفيون " عباد " بالجمع . واختاره أبو عبيد ؛ لأن الإسناد فيها أعلى ، ولأن الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله ، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته . وعن ابن عباس أنه قرأ " عباد الرحمن " ، فقال سعيد بن جبير : إن في مصحفي " عبد الرحمن " فقال : امحها واكتبها " عباد الرحمن " . وتصديق هذه القراءة قوله تعالى : " بل عباد مكرمون " {[13603]} [ الأنبياء : 26 ] . وقوله تعالى : " فحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء " {[13604]} [ الكهف : 102 ] . وقوله تعالى : " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " {[13605]} [ الأعراف : 194 ] وقرأ الباقون " عند الرحمن " بنون ساكنة واختاره أبو حاتم . وتصديق هذه القراءة قوله تعالى : " إن الذين عند ربك " {[13606]} وقوله : " وله من في السماوات والأرض ومن عنده " {[13607]} [ الأنبياء : 19 ] . والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه ، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله . وذكر العباد مدح لهم ، أي كيف عبدوا من هو نهاية العبادة ، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل . والجعل هنا بمعنى القول والحكم ، تقول : جعلت زيدا أعلم الناس ، أي حكمت له بذلك . " أشهدوا خلقهم " أي أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وقال : [ فما يدريكم أنهم إناث ] ؟ فقالوا : سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث ، فقال الله تعالى : " ستكتب شهادته ويسألون " أي يسألون عنها في الآخرة . وقرأ نافع " أوشْهدوا " {[13608]} بهمزة استفهام داخلة على همزة مضمومة مسهلة ، ولا يمد سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد . وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق الهمزتين . والباقون " أشهدوا " بهمزة واحدة للاستفهام .

وروي عن الزهري " أُشْهِدوا خلقهم " على الخبر ، " ستكتب " قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول " شهادتهم " رفعا . وقرأ السلمي وابن السميقع وهبيرة عن حفص " سنكتب " بنون ، " شهادتهم " نصبا بتسمية الفاعل . وعن أبي رجاء " ستكتب شهاداتهم " بالجمع .


[13603]:آية 26 سورة الأنبياء.
[13604]:آية 102 سورة الكهف.
[13605]:آية 194 سورة الأعراف.
[13606]:آخر سورة الأعراف.
[13607]:آية 19 سورة الأنبياء.
[13608]:رسمناها هكذا تصويرا للنطق.