التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ} (18)

عطف إنكارٍ على إنكار ، والواو عاطفة الجملة على الجملة وهي مؤخرة عن همزة الاستفهام لأن للاستفهام الصدْر وأصل الترتيب : وَأَمَنْ ينشأ . وجملة الاستفهام معطوفة على الإنكار المقدّر بعدَ { أم في قوله : { أم اتخذ ممّا يخلق بناتٍ } [ الزخرف : 16 ] ، ولذلك يكون { من ينشؤا في الحلية } في محل نصب بفعل محذوف دلّ عليه فعل { اتخذ في قوله : { أم اتخذ مما يخلق بنات } [ الزخرف : 16 ] . والتقدير : أأتّخذ مَن ينشأ في الحلية الخ . ولك أن تجعل { من ينشؤا في الحلية } بدلاً من قوله { بنات بدلاً مطابقاً وأبرز العامل في البدل لتأكيد معنى الإنكار لا سيما وهو قد حذف من المبدل منه . وإذ كان الإنكار إنما يتسلط على حكم الخبر كان موجب الإنكار الثاني مغايراً لموجب الإنكار الأول وإن كان الموصوف بما لوصفين اللذيْن تعلق بهما الإنكار موصوفاً واحداً وهو الأنثى .

ونَشْءُ الشيء في حالةٍ أن يكون ابتداءُ وجوده مقارناً لتلك الحالة فتكون للشيء بمنزلة الظرف . ولذلك اجتلب حرف في } الدّالة على الظرفية وإنما هي مستعارة لِمعنى المصاحبة والملابسة فمعنى { من ينشؤا في الحلية } مَن تُجعل له الحلية من أول أوقات كونه ولا تفارقُه ، فإن البنت تُتَّخَذُ لها الحلية من أول عمرها وتستصحب في سائر أطوارها ، وحسبك أنها شُقّت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما الأقراط بخلاف الصبي فلا يُحلّى بمثل ذلك وما يستدام له . والنَّشْءُ في الحلية كناية عن الضعف عن مزاولة الصعاب بحسب الملازمة العُرفية فيه . والمعنى : أن لا فائدة في اتخاذ الله بنات لا غناء لهن فلا يحصل له باتخاذها زيادة عِزّة ، بناء على متعارفهم ، فهذا احتجاج إقناعي خطابي .

و { الخصام } ظاهره : المجادلة والمنازعة بالكلام والمحاجّة ، فيكون المعنى : أن المرأة لا تبلغ المقدرة على إبانة حجتها . وعن قتادة : ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتْها على نفسها ، وعنه : { من ينشأ في الحلية } هنّ الجواري يسفِّههن بذلك ، وعلى هذا التفسير درج جميع المفسرين .

والمعنى عليه : أنّهن غير قوادر على الانتصار بالقول فبلأولى لا يقدرْنَ على ما هو أشد من ذلك في الحرب ، أي فلا جدوى لاتّخاذهن أولاداً .

ويجوز عندي : أن يحمل الخصامُ على التقاتل والدّفاع باليد فإن الخصم يطلق على المُحارب ، قال تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربّهم } [ الحج : 19 ] فُسِّر بأنهم نفر من المسلمين مع نفر من المشركين تقاتلوا يوم بدر .

فمعنى { غير مبين } غيرُ محقق النصر . قال بعض العرب وقد بُشر بولادة بنت : « والله ما هي بِنِعْمَ الولدُ بزُّها بكاء ونصرها سرقة » .

والمقصود من هذا فضح معتقدهم الباطل وأنهم لا يحسنون إعمال الفكر في معتقداتهم وإلا لكانوا حين جعلوا لله بنوة أن لا يجعلوا له بنوة الإناث وهم يُعدّون الإناث مكروهات مستضعفات . وتذكير ضمير { وهو في الخصام } مراعاة للفظ { مَن } الموصولة .

و { الحلية } : اسم لما يُتحلّى به ، أي يُتزين به ، قال تعالى : { وتستخرجون منه حلية تلبسونها } [ النحل : 14 ] .

وقرأ الجمهور { يَنشأ } بفتح الياء وسكون النون . وقرأه حفص وحمزة والكسائي { يُنَشَّأُ } بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين ومعناه : يعوده على النشأة في الحلية ويربّى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ} (18)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " أومن ينشأ " أي يربى ويشب . والنشوء : التربية ، يقال : نشأت في بني فلان نشأ ونشوءا إذا شببت فيهم . ونشئ وأنشئ بمعنى . وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف " ينشأ " بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين ، أي يربى ويكبر في الحلية . واختاره أبو عبيد ؛ لأن الإسناد أيها أعلى . وقرأ الباقون " ينشأ " بفتح الياء وإسكان النون ، واختاره أبو حاتم ، أي يرسخ وينبت ، وأصله من نشأ أي ارتفع ، قاله الهروي . ف " ينشأ " متعد ، و " ينشأ " لازم .

الثانية- قوله تعالى : " في الحلية " أي في الزينة . قال ابن عباس وغيره : هن الجواري زيهن غير زي الرجال . قال مجاهد : رخص للنساء في الذهب والحرير ، وقرأ هذه الآية . قال الكيا : فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء ، والإجماع منعقد عليه والأخبار فيه لا تحصى .

قلت : روي عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته : يا بنية ، إياك والتحلي بالذهب ! فإني أخاف عليك اللهب .

قوله تعالى : " وهو في الخصام غير مبين " أي في المجادلة والإدلاء بالحجة . قال قتادة : ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها . وفي مصحف عبد الله " وهو في الكلام غير مبين " . ومعنى الآية : أيضاف إلى الله من هذا وصفه ! أي لا يجوز ذلك . وقيل : المنشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلوها ، قاله ابن زيد والضحاك . ويكون معنى " وهو في الخصام غير مبين " على هذا القول : أي ساكت عن الجواب . و " من " في محل نصب ، أي اتخذوا لله من ينشأ في الحلية . ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء والخبر مضمر ، قاله الفراء . وتقديره : أو من كان على هذه الحالة يستحق العبادة . وإن شئت قلت خفض ردا إلى أول الكلام وهو قوله : " بما ضرب " أو على " ما " في قوله : " مما يخلق بنات " . وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف الاستفهام حائلة بين البدل والمبدل منه .