التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (8)

استئناف بياني ناشىء عن الإِخبار عنهم بأنهم افتروا على الله الكذب في حال أنهم يُدعون إلا الإِسلام لأنه يثير سؤال سائل عما دعاهم إلى هذا الافتراء . فأجيب بأنهم يريدون أن يخفوا الإِسلام عن الناس ويعوقوا انتشاره ومثلت حالتهم بحالة نفر يبتغون الظلام للتّلصّص أو غيره مما يراد فيه الاختفاء .

فلاحت له ذُبالة مصباح تضيء للناس ، فكرهوا ذلك وخشُوا أن يُشعَّ نوره على الناس فتفتضح ترهاتهم ، فعمدوا إلى إطفائه بالنفخ عليه فلم ينطَفِىءْ ، فالكلام تمثيل دال على حالة الممثل لهم . والتقدير : يريدون عوق ظهور الإِسلام كمثل قوم يريدون إطفاء النور ، فهذا تشبيه الهيئة بالهيئة تشبيه المعقول بالمحسوس .

ثم إن ما تضمنه من المحاسن أنه قابِل لتفرقة التشبيه على أجزاء الهيئة ، فاليَهود في حال إرادتهم عوق الإِسلام عن الظهور مشبَّهون بقوم يريدون إطفاء نور الإِسلام فشبه بمصباح . والمشركون مثلُهم وقد مُثّل حال أهل الكتاب بنظير هذا التمثيل في قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله } إلى قوله : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره } الآية في سورة [ براءة : 30 - 32 ] ، ووصفهم القرآن بأنه سحر ونحو ذلك من تمويهاتهم ، فشبه بنفخ النافخين على المصباح فكان لذكر بأفواههم } وقع عظيم في هذا التمثيل لأن الإِطفاء قد يكون بغير الأفواه مثل المروحة والكِير ، وهم أرادوا إبطال آيات القرآن بزعم أنها من أقوال السحر .

وإضافة نور إلى اسم الجلالة إضافة تشريف ، أي نوراً أوقده الله ، أي أوجده وقدَّره فما ظنكم بكماله .

واللام من قوله : { ليطفئوا } تسمّى اللام الزائدة ، وتفيد التأكيد . وأصلها لام التعليل ، ذُكِرت علةُ فعل الإِرادة عوضاً عن مفعوله بتنزيل المفعول منزلة العلة .

والتقدير : يريدون إطفاء نور الله ليطفئوا . ويكثر وقوع هذه اللام بعد مادة الإِرادة ومادة الأمر . وقد سماها بعض أهل العربية : لام ( أَنْ ) لأن معنى ( أَنْ ) المصدرية ملازم لها . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم } في سورة [ النساء : 26 ] . فلذلك قيل : إن هذه اللام بعد فعل الإِرادة مزيدة للتأكيد .

وجملة { والله متم نوره } معطوفة على جملة { يريدون } وهي إخبار بأنهم لا يبلغون مرادهم وأن هذا الدِّين سيتم ، أي يبلغ تمام الانتشار . وفي الحديث « والله لَيِتَمَّن هذا الأمرُ حتى يسيرَ الراكبُ من صنَعاء إلى حضرَموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون » .

والجملة الاسمية تفيد ثبوت هذا الإِتمام . والتمام : هو حصول جميع ما للشيء من كيفية أو كمية ، فتمام النور : حصول أقوى شعاعه وإتمامه إمداد آلته بما يقوى شعاعه كزيادة الزيت في المصباح وإزالة ما يغشاه .

وجملة { ولو كره الكافرون } حالية و { لو } وصلية ، وهي تدل على أن مضمون شرطها أجدر ما يُظَنُّ أن لا يحصل عند حصوله مضمونُ الجوَاب .

ولذلك يقدِّر المعربون قبله ما يدلّ على تقدير حصول ضد الشرط . فيقولون هذا إذا لم يكن كذا بل وإن كان كذا ، وهو تقدير معنى لا تقدير حذف لأن مثل ذلك المحذوف لا يطرد في كل موقع فإنه لا يستقيم في مثل قوله تعالى : { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } [ يوسف : 17 ] ، إذ لا يقال : هذا إذا كنّا كاذبين ، بل ولو كنا صادقين . وكذلك ما في هذه الآية لأن المعنى : والله متمّ نورَه على فرض كراهة الكافرين ، ولما كانت كراهة الكافرين إتمام هذا النور محققةً كان سياقها في صورة الأمر المفروض تهكماً . وتقدم استعمال ( لو ) هذه عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } في سورة [ آل عمران : 91 ] .

وإنما كانت كراهية الكافرين ظهور نور الله حالة يُظنّ انتفاء تمام النور معها ، لأن تلك الكراهية تبعثهم على أن يتألبوا على إحداث العراقيل وتضليل المتصدين للاهتداء وصرفهم عنه بوجوه المكر والخديعة والكيد والإِضرار .

وشمل لفظ { الكافرون } جميع الكافرين بالإِسلام من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم .

ولكن غلب اصطلاح القرآن على تخصيص وصف الكافرين بأهل الكتاب ومقابلتهم بالمشركين أو الظالمين ويتجه على هذا أن يكون الاهتمام بذكر هؤلاء بعد { لو } الوصلية لأن المقام لإِبطال مرادهم إطفاء نور الله فإتمام الله نوره إبطال لمرادهم إطفاءَه . وسيرد بعد هذا ما يبطل مراد غيرهم من المعاندين وهم المشركون .

وقرأ نافع وأبو عَمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم { متمٌ نورَه } بتنوين { متمٌ } ونصب { نورَه } . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص وخلف بدون تنوين وجَرّ { نورِه } على إضافة اسم الفاعل على مفعوله وكلاهما فصيح .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (8)

قوله تعالى : { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } الإطفاء هو الإخماد ، يستعملان في النار ، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور . ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه ، وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير ، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل ؛ فيقال : أطفأت السراج ، ولا يقال أخمدت السراج .

وفي { نور الله } هنا خمسة أقاويل : أحدها : أنه القرآن ، يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول ، قاله ابن عباس وابن زيد . والثاني : إنه الإسلام ، يريدون دفعه بالكلام ، قاله السدي . الثالث : أنه محمد صلى الله عليه وسلم ، يريدون هلاكه بالأراجيف ، قاله الضحاك . الرابع : حجج الله ودلائله ، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم ، قاله ابن بحر . الخامس : أنه مثل مضروب ، أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق ، حكاه ابن عيسى . وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما ، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود ، أبشروا ! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه ، وما كان ليتم أمره ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها ، حكى جميعه الماوردي رحمه الله .

{ والله متم نوره } أي بإظهاره في الآفاق . وقرأ{[14943]} ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم " والله متم نوره " بالإضافة على نية الانفصال ، كقوله تعالى : " كل نفس ذائقة الموت " [ آل عمران : 185 ] وشبهه ، حسب ما تقدم بيانه في " آل عمران{[14944]} " . الباقون " متم نوره " لأنه فيما يستقبل ، فعمِل . { ولو كره الكافرون } من سائر الأصناف .


[14943]:كلمة "اقرأ" ساقطة من ج، س.
[14944]:راجع جـ 4 ص 297.