التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (16)

فاء فصيحة وتفريع على ما تقدم ، أي إذا علمتم هذا فاتقوا الله فيما يجب من التقوى في معاملة الأولاد والأزواج ومصارِف في الأموال فلا يصدّكم حب ذلك والشغل به عن الواجبات ، ولا يخرجكم الغضب ونحوه عن حدّ العدل المأمور به ، ولا حُبُّ المال عن أداء حقوق الأموال وعن طلبها من وجوه الحلال . فالأمر بالتقوى شامل للتحذير المتقدم وللترغيب في العفو كما تقدم ولما عدا ذلك .

والخطاب للمؤمنين .

وحذف متعلق ( اتقوا ) لقصد تعميم ما يتعلق بالتقوى من جميع الأحوال المذكورة وغيرها وبذلك يكون هذا الكلام كالتذييل لأن مضمونه أعم من مضمون ما قبله .

ولما كانت التقوى في شأن المذكورات وغيرها قد يعرض لصاحبها التقصير في إقامتها حرصاً على إرضاء شهوة النفس في كثير من أحوال تلك الأشياء زيد تأكيد الأمر بالتقوى بقوله : { ما استطعتم } .

و { مَا } مصدرية ظرفية ، أي مدة استطاعتكم ليعم الأزمان كلها ويعم الأحوال تبعاً لعموم الأزمان ويعم الاستطاعات ، فلا يتخلوا عن التقوى في شيء من الأزمان . وجعلت الأزمان ظرفاً للاستطاعة لئلا يقصروا بالتفريط في شيء يستطيعونه فيما أمروا بالتقوى في شأنه ما لم يخرج عن حدّ الاستطاعة إلى حدّ المشقة قال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] .

فليس في قوله : { ما استطعتم } تخفيف ولا تشديد ولكنه عَدل وإنصافٌ . ففيه ما عليهم وفيه ما لهم .

روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال : « بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقَّنني : « فيما استطعت » ، وعن ابن عمر : كنّا إذا بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا « فيما استطعتُ » .

وعطفُ { واسمعوا وأطيعوا } على ( اتقوا الله ) من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، ولأن التقوى تتبادر في ترك المنهيات فإنها مشتقة من وقَى . فتقوى الله أن يقي المرء نفسه مما نهاه الله عنه ، ولما كان ترك المأمورات فيؤول إلى إتيان المنهيات ، لأن ترك الأمر منهي عنه إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده . كان التصريح به بخصوصه اهتماماً بكلا الأمرين لتحصل حقيقة التقوى الشرعية وهي اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات .

والمراد : اسمعوا الله ، أي أطيعوه بالسمع للرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته .

والأمر بالسمع أمر يتلقَّى الشريعة والإِقبال على سماع مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم وذلك وسيلة التقوى قال تعالى : { فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 17 ، 18 ] .

وعطف عليه { وأطيعوا } : أي أطيعوا ما سمعتم من أمر ونهي .

وعَطْف { وأنفقوا } تخصيصٌ بعد تخصيص فإن الإنفاق مما أمر الله به فهو من المأمورات .

وصيغة الأمر تشتمل واجب الإِنفاق والمندوبَ ففيه التحريض على الإِنفاق بمرتبتيه وهذا من الاهتمام بالنزاهة عن فتنة المال التي ذكرت في قوله : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ التغابن : 15 ] .

وانتصب { خيراً } على الصفة لمصدرٍ محذوف دل عليه { أنفقوا } . والتقدير : إنفاقاً خيراً لأنفسكم . هذا قول الكسائي والفرّاء فيكون { خيراً } اسم تفضيل . وأصله : أَخْير ، وهو محذوف الهمزة لكثرة الاستعمال ، أي الإِنفاق خير لكم من الإِمساك . وعن سيبويه أنه منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر دل عليه { أنفقوا } . والتقدير : ائتوا خيراً لأنفسكم . وجملة { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } تذييل .

و { مَن } اسم شرط وهي من صيغ العموم : أي كل من يوق شحّ نفسه والعموم يدل على أن { من } مراد بها جنس لا شخص معين ولا طائفة ، وهذا حب اقتضاه حرص أكثر الناس على حفظ المال وادخاره والإِقلاللِ من نفع الغير به وذلك الحرص يسمى الشح .

والمعنى : أن الإِنفاق يقي صاحبه من الشحّ المنهي عنه فإذا يُسر على المرء الإِنفاق فيما أمر الله به فقد وُقي شُحّ نفسه وذلك من الفلاح .

ولما كان ذلك فلاحاً عظيماً جيء في جانبه بصيغة الحصر بطريقة تعريف المسند ، وهو قصر جنس المفلحين على جنس الذين وُقُوا شحّ أنفسهم ، وهو قصر ادعائي للمبالغة في تحقق وصف المفلحين الذين وقُوا شحّ أنفسهم نزّل الآن فلاح غيرهم بمنزلة العدم .

وإضافة { شح } إلى النفس للإِشارة إلى أن الشح من طباع النفس فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها قال تعالى : { وأحضرت الأنفس الشحّ } [ النساء : 128 ] .

وفي الحديث لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة قال : « أن تَصدَّق وأنت صحيح شَحِيح تخشى الفقر وَتَأَمُل الغنى . وأنْ لا تَدعَ حتى إذا بلغت الحلقومَ قلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان » وتقدم نظيره { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } في سورة [ الحشر : 9 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (16)

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : " اتقوا الله حق تقاته{[15053]} " [ آل عمران : 102 ] منهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وابن زيد . ذكر الطبري : وحدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته " [ آل عمران : 102 ] قال : جاء أمر شديد ، قالوا : ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه ؟ فلما عرف الله أنه قد اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم وجاء بهذه الآية الأخرى فقال : " اتقوا الله ما استطعتم " . وقيل : هي محكمة لا نسخ فيها . وقال ابن عباس : قوله تعالى : " اتقوا الله حق تقاته " [ آل عمران : 102 ] إنها لم تنسخ ، ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده ، ولا يأخذه في الله لومة لائم ، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم . وقد تقدم .

الثانية- فإن قيل : فإذا كانت هذه الآية محكمة غير منسوخة فما وجه قوله في سورة التغابن : " فاتقوا الله ما استطعتم " وكيف يجوز اجتماع الأمر باتقاء الله حق تقاته ، والأمر باتقائه ما استطعنا . والأمر باتقائه حق تقاته إيجاب القرآن بغير خصوص ولا وصل بشرط ، والأمر باتقائه ما استطعنا أمر باتقائه موصولا بشرط ؟ قيل له : قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " بمعزل مما دل عليه قوله تعالى : " اتقوا الله حق تقاته " [ آل عمران : 102 ] وإنما عنى بقوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم ، وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام ، فتتركوا الهجرة ما استطعتم ، بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين . وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى : " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " إلى قوله " فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم{[15054]} " [ النساء : 97 ] . فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في دار الشرك ، فكذلك معنى قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم . ومما يدل على صحة هذا أن قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " عقيب قوله : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " .

ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك ، حسب ما تقدم . وهذا كله اختيار الطبري . وقيل : " فاتقوا الله ما استطعتم " فيما تطوع به من نافلة أو صدقة ، فإنه لما نزل قوله تعالى : " اتقوا الله حق تقاته " [ آل عمران : 102 ] اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم ، فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم : " فاتقوا الله ما استطعتم " فنسخت الأولى ، قاله ابن جبير . قال الماوردي : ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها ؛ لأنه لا يستطيع اتقاءها .

الثالثة- قوله تعالى : " واسمعوا وأطيعوا " أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه . وقال مقاتل : اسمعوا " أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله ، وهو الأصل في السماع . " وأطيعوا " لرسوله فيما أمركم أو نهاكم . وقال قتادة : عليهما بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة . وقيل : " واسمعوا " أي اقبلوا ما تسمعون ، وعبر عنه بالسماع لأنه فائدته .

قلت : وقد تغلغل في هذه الآية الحجاج حين تلاها وقصرها على عبدالملك بن مروان فقال : " فاتقوا الله ما استطعم واسمعوا وأطيعوا " هي لعبدالملك بن مروان أمين الله وخليفته ، ليس فيها مثنوية ، والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحل لي دمه . وكذب في تأويلها بل هي للنبي صلى الله عليه وسلم أولا ثم لأولي الأمر من بعده . دليله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{[15055]} " [ النساء : 59 ] .

الرابعة- قوله تعالى : " وأنفقوا " قيل : هو الزكاة ، قاله ابن عباس . وقيل : هو النفقة في النفل . وقال الضحاك : هو النفقة في الجهاد . وقال الحسن : هو نفقة الرجل لنفسه . قال ابن العربي : وإنما أوقع قائل هذا قوله : " لأنفسكم " وخفي عليه أن نفقة النفل والفرض في الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه ، قال الله تعالى : " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها{[15056]} " . [ الإسراء : 7 ] . وكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه . والصحيح أنها عامة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فال له رجل : عندي دينار ؟ قال : ( أنفقه على نفسك ) قال : عندي آخر ؟ قال : ( أنفقه على عيالك ) قال : عندي آخر ؟ قال : ( أنفقه على ولدك ) قال : عندي آخر ؟ قال : ( تصدق به ) فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل الصدقة بعد ذلك . وهو الأصل في الشرع .

الخامسة- قوله تعالى : " خيرا لأنفسكم " " خيرا " نصب بفعل مضمر عند سيبويه ، دل عليه " وأنفقوا " كأنه قال : ايتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم ، أو قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم . وهو عند الكسائي والقراء نعت لمصدر محذوف ، أي : أنفقوا إنفاقا خيرا لأنفسكم . وهو عند أبي عبيدة خبر كان مضمرة ؛ أي : يكن خيرا لكم . ومن جعل الخير المال فهو منصوب ب " أنفقوا " . " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " تقدم الكلام فيه{[15057]} .


[15053]:راجع جـ 4 ص 157.
[15054]:راجع جـ 5 ص 354.
[15055]:راجع جـ 5 ص 258.
[15056]:راجع جـ 10 ص 217.
[15057]:راجع ص 29 من هذا الجزء.