الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (16)

ثم قال : ( فاتقوا الله ما استطعتم . . . )[ 16 ) . هذه نزلت بعد قوله تعالى : ( اتقوا {[68636]} الله حق تقاته ) {[68637]} تخفيفا عن الخلق ، فقيل : إن هذا {[68638]} ناسخ لذلك {[68639]} ، وقيل : " هو تخفيف ، ولا بد من التقى {[68640]} . ومعنى ( حق تقاته )أن يطاع فلا يعصى {[68641]} .

وكانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة’ فيقول : فيما استطعتم {[68642]} .

قال ابن مسعود ( حق تقاته ) أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى {[68643]} .

- ثم قال : ( واسمعوا وأطيعوا . . . )[ 16 ] .

أي : اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه .

- ( وأنفقوا خيرا لأنفسكم . . . )[ 16 ] .

أي أنفقوا مالا لأنفسكم ، فالخير هنا {[68644]} مفعول ل " أنفقوا " ، والخير : المال {[68645]} ، كما قال : ( وإنه لحب الخير لشديد ) {[68646]} يعني : المال .

وقيل : " خيرا " بمعنى : أفعل ، أي : وأنفقوا {[68647]} في سبيل الله {[68648]} يكن خيرا لكم {[68649]} .

- ثم قال : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )[ 16 ) .

أي : ومن يقه الله شح نفسه . وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه {[68650]} .

قال ابن عباس : " شح نفسه " : " هوى نفسه . . . " {[68651]} .

قال ابن مسعود : " هو أن يعمد إلى مال غيره فيأكله " {[68652]} .

وقال سفيان بن عيينة {[68653]} : هو الظلم ، وهو الظلم ، وليس هو البخل {[68654]} .

( فأولئك هم المفلحون )[ 16 ] .

أي : هم الباقون في النعيم المقيم .

قال الحسن " نظرك إلى المرأة {[68655]} لا تملكها من الشح {[68656]} .

وقال ابن عباس {[68657]} : ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله ، إنما الشح أن [ تطمح ] {[68658]} عين الرجل إلى ما ليس له .

قال ابن مسعود : إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الر جل مال أخيه ، وحبس المال [ عن ] {[68659]} الصدقة هو البخل {[68660]} .

وقال طاوس {[68661]} : إنما الشح أن تشح {[68662]} على ما في [ أيدي ] {[68663]} الناس {[68664]} .

[ قال علي : من أدى زكاته فقد وقي {[68665]} شح نفسه ] {[68666]} .


[68636]:- أ: فاتقوا.
[68637]:- آل عمران: 102.
[68638]:- أ: فقيل هذا.
[68639]:- روي هذا القول عن قتادة فيما أخرجه عنه الطبري في جامع البيان :28/127. وانظر ناسخ قتادة،ص:38 وتفسير ابن كثير 4/402.وحكاه عن زيد بن أسلم وسعيد ابن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي ومقاتل. وقاله ابن حزم في ناسخه، ص:61 وابن سلامة في ناسخه، ص:181.
[68640]:- أ: الاتقاء . وقد رد النسَخَ بن الجوزي في نواسخ القرآن، ص:244. وحكى هذا الرد عن طاوس. ورده النحاس أيضا في إعرابه:4/446. وقال في قول قتادة:" لا يصح". وا نظر: أيضا ناسخ ابن البارزي، ص53.
[68641]:- هو قول مجاهد في تفسير الماوردي:4/248. وهو بعض من قول قتادة الذي مر في هامش (6).
[68642]:- هذا تمام قول قتادة الذي مر في هامش (6).
[68643]:- انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي، ص:243.
[68644]:- أ : فالخير هنا هو.
[68645]:- أ: المال الكثير. وفي جامع البيان 28/127 : "والخير في هذا الموضع: المال" وهذا خلاف ما ذهب إليه مكي في إعرابه 2/ 739 حيث اعتبر هذا القول بعيدا في المعنى وإن كان جائزا ي الإعراب، وقد ذكره النحاس في إعرابه 4/446 من بين وجوه أربعة حكاها وسكت عنها إلا أنه ذكر ذلك الوجه متأخرا .
[68646]:- العاديات: 8.
[68647]:- أ : أنفقوا.
[68648]:- أ:في سبيلي.
[68649]:- حكاه مكي في إعرابه : 2/739 عن أبي عبيدة، وانظر: مجازه 1/143. وحكاه النحاس في إعرابه 4/446. غير منسوب.
[68650]:- انظر: جامع البيان:28/127، وما قاله مكي هنا وما أورده من أقوال يدل على أن الشح معنى زائد على البخل. وقد أو رد صاحب اللسان عدة أقوال في معناه إلا أن أجمعها –والله أعلم- هو القول بأنه البخل مع حرص، و هذا هو المعنى الذي ذكره لراغب في مفرداته، ص:262 –(شح). وهذا النوع من البخل هو الذي يؤدي غالبا إلى التطلع إلى ملك الغير والاعتداء عليه.
[68651]:- جامع البيان 28/127، وتفسير الماوردي 4/249 وحكاه عن ابن أبي طلحة.
[68652]:- جامع البيان 28/127 وأخرجه الحاكم أيضا في المستدرك 2/490 كتاب التفسير، تفسير سورة التغابن، ولفظه :"أن تعمد إلى مال غيرك أو مال أخيك فتأكله".
[68653]:- هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي محدث الحرم المكي، من الموالي، كان حافظا ثقة، واسع العلم كبير القدر، قال الشافعي : لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وله " الجامع" في الحديث وكتاب في التفسير (ت:198 هـ). انظر: حلية الأولياء:7/270 وصفوة الصفوة :2/231 وتهذيب الأسماء:1/224 ووفيات الأعيان: 2/391 وميزان الاعتدال:2/170.
[68654]:- انظر: الغريب لابن قتيبة ص:469. وتفسير القرطبي:18/30.
[68655]:- أ: ا مرأة.
[68656]:- انظر: المحرر:16/32.
[68657]:- أ: ابن عمر. وقول ابن عباس ذكره البخاري بنحوه في كتاب التفسير، تفسير سورة النساء آية 128: (...وأحضرت الانفس الشح).
[68658]:- م.ث تطمع.
[68659]:- م، ث:عند.
[68660]:- انظر: جامع البيان 28/127، وتفسير ابن كثير:4/362.
[68661]:- هو طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري، أدرك خمسين صحابيا، من علماء التابعين وعباد أهل اليمن، روي عن عائشة وابن عباس، وعنه مجاهد وعمرو بن دينار ، وثقه غير واحد توفي:106 هـ وقيل:101 هـ، وقيل غير ذلك.انظر صفة الصفوة 2/284، وتهذيب الأسماء 1/341 و طبقات الحفاظ 34.
[68662]:- أ: يشح.
[68663]:- م:ايد.
[68664]:- انظر تفسير القرطبي 18/30 ، وفتح القدير: 5/201.
[68665]:- أ:وقى.
[68666]:- قول علي ساقط من: م،ث؟ وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" برئ من الشح من أدى الزكاة... الحديث". انظر جامع البيان 28/44.