التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } الخ شاعت تسميتها في المصاحف وفي كتب التفسير وكتب السنة : سورة الطلاق ولم ترد تسميتها بهذا في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم موسوم بالقبول .

وذكر في الإتقان أن عبد الله بن مسعود سماها سورة النساء القصرى أخذا مما أخرجه البخاري وغيره عن مالك بن عامر قال : كنا عند عبد الله بن مسعود فذكر عنده أن الحامل المتوفى عنها تعتد أقصى الأجلين أي أجل وضع الحمل إن كان أكثر من أربعة أشهر وعشر ، وأجل الأربعة الأشهر وعشر فقال : أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } اه . وفي الاتقان عن الداودي إنكار أن تدعى هذه السورة بالقصرى للتنزه عن وصف القرآن بصفة نقص ورده ابن حجر بأن القصر أمر نسبي أي ليس مشعرا بنقص على الإطلاق . وابن مسعود وصفها بالقصرى احترازا عن السورة المشهورة باسم سورة النساء التي هي السورة الرابعة في المصحف التي أولها { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } . وأما قوله الطولى فهو صفة لموصوف محذوف أي بعد السورة الطولى يعني سورة البقرة لأنها أطول سور القرآن ويتعين أن ذلك مراده لأن سورة البقرة هي التي ذكرت فيها عدة المتوفى عنها . وقد يتوهم أن سورة البقرة تسمى سورة النساء الطولى من مقابلتها بسورة النساء القصرى في كلام ابن مسعود . وليس كذلك كما تقدم في سورة النساء .

وهي مدنية بالاتفاق .

وعدد آيها اثنتا عشرة آية في عدد الأكثر . وعدها أهل البصرة إحدى عشرة آية .

وهي معدودة السادسة والتسعين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت بعد سورة الإنسان وقبل سورة البينة .

وسبب نزولها ما رواه مسلم عن طريق ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمان بن أيمن يسأل ابن عمر كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضا فقال طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ليراجعها ، فردها وقال : إذا طهرت فليطلق أو ليمسك . قال ابن عمر وقرأ النبي : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } .

وظاهر قوله وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم الخ . إنها نزلت عليه ساعتئذ . ويحتمل أن تكون نزلت قبل هذه الحادثة . وقال الواحدي عن السدي : أنها نزلت في قضية طلاق ابن عمر وعن قتادة أنها نزلت بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ولم يصح . وجزم أبو بكر بن العربي بأن شيئا من ذلك لم يصح وأن الأصح أن الآية نزلت بيانا لشرع مبتدإ .

أغراضها

الغرض من آيات هذه السورة تحديد أحكام الطلاق وما يعقبه من العدة والإرضاع والإنفاق والإسكان . تتميما للأحكام المذكورة في سورة البقرة .

والإيماء إلى حكمة شرع العدة والنهي عن الإضرار بالمطلقات والتضييق عليهن .

والإشهاد على التطليق وعلى المراجعة وإرضاع المطلقة ابنها بأجر على الله .

والأمر بالائتمار والتشاور بين الأبوين في شأن أولادهما .

وتخلل ذلك الأمر بالمحافظة الوعد بأن الله يؤيد من يتقي الله ويتبع حدوده ويجعل له من أمره يسرا ويكفر عنه سيئاته .

وأن الله وضع لكل شيء حكمه لا يعجزه تنفيذ أحكامه .

وأعقب ذلك بالموعظة بحال الأمم الذين عتوا عن أمر الله ورسله وهو حث للمسلمين على العمل بما أمرهم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لئلا يحق عليهم وصف العتو عن الأمر .

وتشريف وحي الله تعالى بأنه منزل من السماوات وصادر عن علم الله وقدرته تعالى .

توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب من أساليب آيات التشريع المهتم به فلا يقتضي ذلك تخصيص ما يذكر بعده النبي صلى الله عليه وسلم مثل { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } [ الأنفال : 65 ] لأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتولى تنفيذ الشريعة في أمته وتبيين أحوالها . فإن كان التشريع الوارد يشمله ويشمل الأمة جاء الخطاب مشتملاً على ما يفيد ذلك مثل صيغة الجمع في قوله هنا { إذا طلقتم النساء } وإن كان التشريع خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بما يقتضي ذلك نحو { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } [ المائدة : 67 ] .

قال أبو بكر بن العربي : وهذا قولهم أن الخطاب له لفظاً . والمعنى له وللمؤمنين ، وإذا أراد الله الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله : { يا أيها النبي } ، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال : { يا أيها الرسول } [ المائدة : 67 ] اه . ووجه الاهتمام بأحكام الطلاق والمراجعة والعِدّة سنذكره عند قوله تعالى : { واتقوا الله ربكم } .

فالأحكام المذكورة في هذه السورة عامة للمسلمين فضمير الجمع في قوله : { إذا طلقتم النساء } وما بعده من الضمائر مثلِه مراد بها هو وأمته . وتوجيه الخطاب إليه لأنه المبلغ للناس وإمام أمته وقدوَتهم والمنفذ لأحكام الله فيهم فيما بينهم من المعاملات فالتقدير إذا طلقتم أيها المسلمون .

وظاهر كلمة { إذا } أنها للمستقبل وهذا يؤيد ما قاله أبو بكر بن العربي من أنها شرع مبتدأ قالوا : إنه يجوز أن يكون المراد إذا طلقتم في المستقبل فلا تعودوا إلى مثل ما فعلتم ولكن طلقوهن لعدتهن ، أي في أطْهارهن كما سيأتي .

وتكرير فعل { فطلقوهن } لمزيد الاهتمام به فلم يقل إذا طلقتم النساء فلِطهرهن وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } في سورة [ الشعراء : 130 ] ، وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } في سورة [ الفرقان : 72 ] .

واللام في { لعدتهن } لام التوقيت وهي بمعنى عند مثل كُتب ليوممِ كذا من شهر كذا . ومنه قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } [ الإسراء : 78 ] لا تحتمل هذه اللام غير ذلك من المعاني التي تأتي لها اللام . ولما كان مدخول اللام هنا غير زمان عُلم أن المراد الوقت المضاف إلى عدتهن أي وقت الطهر .

ومعنى التركيب أن عدة النساء جعلت وقتاً لإيقاع طلاقهن فكني بالعدة عن الطهر لأن المطلقة تعتد بالأطهار .

وفائدة ذلك أن يكون إيماء إلى حكمة هذا التشريع وهي أن يكون الطلاق عند ابتداء العِدة وإنما تُبتدأ العدة بأول طُهر من أطْهار ثلاثة لدفع المضرة عن المطلقة بإطالة انتظار تزويجها لأن ما بين حيضها إذا طلقت فيه وبين طهرها أيام غير محسوبة في عدتها فكان أكثر المطلقين يقصدون بذلك إطالة مدة العدة ليوسعوا على أنفسهم زمن الارتياء للمراجعة قبل أن يَبنَّ منهم .

وفعل { طلقتم } مستعمل في معنى أردتم الطلاق وهو استعمال وارد ومنه قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] الآية والقرينة ظاهرة .

والآية تدل على إباحة التطليق بدلالة الإشارة لأن القرآن لا يقدِّر حصول فعل محرَّم من دون أن يبيّن منعه .

والطلاق مباح لأنه قد يَكون حاجيّاً لبعض الأزواج فإن الزوجين شخصان اعتشرا اعتشاراً حديثاً في الغالب لم تكن بينهما قبله صلة من نسب ولا جوار ولا تخلق بخلق متقارب أو متماثل فيكثر أن يحدث بينهما بعد التزوج تخالف في بعض نواحي المعاشرة قد يكون شديداً ويعسر تذليله ، فيمل أحدهما ولا يوجد سبيل إلى إراحتهما من ذلك إلا التفرقة بينهما فأحله الله لأنه حاجيّ ولكنه ما أحله إلا لدفع الضر فلا ينبغي أن يجعل الإِذن فيه ذريعة للنكاية من أحَد الزوجين بالآخر . أو من ذوي قرابتهما ، أو لقصد تبديل المذاق . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم « أبغض الحلال إلى الله الطلاق » .

وتعليق { طلقتم } بإذا الشرطية مشعر بأن الطلاق خلاف الأصل في علاقة الزوجين التي قال الله فيها : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [ الروم : 21 ] .

واختلف العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وجزم به الخطابي في « شرح سنن أبي داود » : ولم يثْبُتْ تطليق النبي صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح والمروي في ذلك خبرانِ ، أولهما ما رواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان بسندهم إلى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصَة ثم راجعها . وفي هذا السند ضعف لأن سُوَيد بن سعيد ضعيف نسبه ابن معين إلى الكذب وضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي . وقَبله أحمد بن حنبل وأبو حاتم . وكذلك مسروق بن المرزبان يضعف أيضاً . وبقي عبد الله بن عامر بن زرارة لا متكلم فيه فيكون الحديث صحيحاً لكنه غريب وهو لا يُقبل فيما تتوفر الدواعي على روايته كهذا . وهذا الحديث غريب في مبدئه ومنتهاه لانفراد سعيد بن جبير بروايته عن ابن عباس ، وانفراد ابن عباس بروايته عن عمر بن الخطاب مع عدم إخراج أهل الصحيح إياه فالأشبه أنه لم يقع طلاق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ولكن كانت قضيةُ الإيلاء بسبب حفصة .

والمعروف في « الصحيح » عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه فقال الناس طلق رسول الله نساءه . قال عمر : « فقلت يا رسول الله أطلقتَ نساءك ؟ ، قال : « لا آليت منهن شهراً » . فلعل أحد رواة الحديث عن ابن عباس عبر عن الإيلاء بلفظ التطليق وعن الفَيْئة بلفظ راجع على أن ابن ماجه يضعف عند أهل النقد .

وثانيهما : حديث الجونية أسماءَ أو أميمة بنت شُراحيل الكندية في « الصحيح » : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وأنه لما دخل يبني بها قالت له : « أعوذ بالله منك ، فقال : قد عذت بمعاذ ألحقي بأهلك » وأمَرَ أبا أُسيد الساعدي أن يكسوها ثوبين وأن يلحقها بأهلها ، ولعلها أرادت إظهار شرفها والتظاهر بأنها لا ترغب في الرجال وهو خُلق شائع في النساء .

والأشبه أن هذا طلاق وأنه كان على سبب سؤالها فهو مثل التخيير الذي قال الله تعالى فيه : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا } في سورة [ الأحزاب : 28 ] . فلا يعارض ذلك قوله : أبغض الحلال إلى الله الطلاق . إذ يكون قوله ذلك مخصوصاً بالطلاق الذي يأتيه الزوج بداع من تلقاء نفسه لأن علة الكراهية هي ما يخلفه الطلاق من بغضاء المطلقة من يطلقها فلا يصدر من النبي ابتداء تجنباً من أن تبغضه المطلقة فيكون ذلك وَبَالاً عليها ، فأما إذا سألته فقد انتفت الذريعة التي يجب سدها .

وعُلم من قوله تعالى : { لعدتهن } أنهن النساء المدخول بهن لأن غير المدخول بهن لا عدة لهن إجماعاً بنص آية الأحزاب .

وهذه الآية حجة لمالك والشافعي والجمهور أن العدة بالأطهار لا بالحِيَض فإن الآية دلت على أن يكون إيقاع الطلاق عند مبدإ الاعتداد فلو كان مبدأ الاعتداد هو الحيض لكانت الآية أمراً بإيقاع الطلاق في الحيض ولا خلاف في أن ذلك منهي عنه لحديث عمر في قضية طلاق ابنه عبد الله بن عمر زوجه وهي حائض . واتفق أهل العلم على الأخذ به فكيف يخالف مخالف في معنى القرء خلافاً يفضي إلى إبطال حكم القضية في ابن عمر وقد كانت العدة مشروعة من قبل بآية سورة البقرة وآيات الأحزاب فلذلك كان نوط إيقاع الطلاق بالحال التي تكون بها العدة إحالة على أمر معلوم لهم .

وحكمة العدة تقدم بيانها .

{ وَأَحْصُواْ العدة } .

الإِحصاء : معرفة العدِّ وضبطه . وهو مشتق من الحصى وهي صغار الحجارة لأنهم كانوا إذا كثرت أعداد شيء جعلوا لكل معدود حصاةً ثم عدوا ذلك الحصى ، قال تعالى : { وأحصى كل شيء عدداً } [ الجن : 28 ] .

والمعنى : الأمر بضبط أيام العدة والإتيان على جميعها وعدم التساهل فيها لأن التساهل فيها ذريعة إلى أحد أمرين ؛ إما التزويج قبل انتهائها فربّما اختلط النسب ، وإما تطويل المدة على المطلقة في أيام منعها من التزوج لأنها في مدة العدة لا تخلو من حاجة إلى من يقوم بها .

وأما فوات أمد المراجعة إذا كان المطلق قد ثاب إلى مراجعة امرأته .

والتعريف في العدة للعهد فإن الاعتداد مشروع من قبل كما علمته آنفاً والكلام على تقدير مضاف لأن المحصَى أيام العدة .

والمخاطب بضمير { أحصوا } هم المخاطبون بضمير { إذا طلقتم } فيأخذ كل من يتعلق به هذا الحكم حَظه من المطلق والمطلقة ومن يطلع على مخالفة ذلك من المسلمين وخاصة ولاة الأمور من الحكام وأهل الحسبة فإنهم الأولى بإقامة شرائع الله في الأمة وبخاصة إذا رأوا تفشي الاستخفاف بما قصدته الشريعة . وقد بيّنا ذلك في باب مقاصد القضاء من كتابي « مقاصد الشريعة » .

ففي العدة مصالح كثيرة وتحتها حقوق مختلفة اقتضتها تلك المصالح الكثيرة وأكثر تلك الحقوق للمطلِّق والمطلَّقة وهي تستتبع حقوقاً للمسلمين وولاةِ أمورهم في المحافظة على تلك الحقوق وخاصة عند التحاكم .

{ واتقوا الله ربكم } .

اعتراض بين جملة { وأحصوا العدة } وجملة { لا تخرجوهن من بيوتهن } والواو اعتراضية .

وحذف متعلّق { اتقوا الله } ليعم جميع ما يتقى الله فيه فيكون هذا من قبيل الاعتراض التذييلي وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله .

فقوله : { واتقوا الله ربكم } تحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة . ذلك أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزناً وكان قرابة المطلقات قلما يدافعن عنهن فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها فلذلك كانت هذه الآيات شديدة اللهجة في التحدّي ، وعبر عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود الله ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف { ربّكم } للتذكير بأنه حقيق بأن يتقى غضبه .

{ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مبينة } .

استئناف أو حال من ضمير { أحصوا العدة } ، أي حالة كون العدة في بيوتهن ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من مضمون جملة { أحصوا العدة } لأن مكثهن في بيوتهن في مدة العدة يحقق معنى إحصاء العدة .

ولكلا الوجهين جردت الجملة عن الاقتران بالواو جوازاً أو وجوباً .

وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يسمى في الفقه مِلْك الانتفاع دون العين ولأن بقاء المطلقات في البيوت اللاّتي كنّ فيها أزواجاً استصحاب لحال الزوجية إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب « ربّة البيت » وللمطلقة حكم الزوجة ما دامت في العدة إلا في استمتاع المطلق .

وهذا الحكم سببُه مركب من قصد المكارمة بين المطلّق والمطلقة . وقصد الانضباط في علة الاعتداد تكميلاً لتحقق لحاق ما يظهر من حمل بأبيه المطلّق حتى يبرأ النسب من كل شك .

وجملة { ولا يخرجن } عطف على جملة { لا تخرجوهن } وهو نهي لهن عن الخروج فإن المطلق قد يُخرجها فترْغب المطلقة في الخروج لأنها تستثقل البقاء في بيت زالت عنه سيادتها فنهاهن الله عن الخروج . فَإذا كان البيت مكترى سكنتْه المطلقة وكراؤه على المطلق وإذا انتهى أمد كرائه فعلى المطلق تجديده إلى انتهاء عدة المطلقة .

وهذا الترتب بين الجملتين يشعر بالسببية وأن لكل امرأة معتدة حق السكنى في بيت زوجها مدة العدة لأنها معتدة لأجله أي لأجل حفظ نسبه وعِرضه فهذا مقتضى الآية .

ولذلك قال مالك وجمهور العلماء بوجوب السكنى للمطلقة المدخول بها سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً وقال ابن أبي ليلى : لا سكنى إلا للمطلقة الرجعية ، وعلل وجوب الإسكان للمطلقة المدخول بها بعدة أمور : حفظ النسب ، وجبر خاطر المطلقة وحفظ عرضها . وسيجيء في هذه السورة قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم } [ الطلاق : 6 ] الآية . وتَعلم أن ذلك تأكيداً لما في هذه الآية من وجوب الإِسكان في العدة أعيد ليبين عليه قوله : { من وجدكم } [ الطلاق : 6 ] وما عطف عليه .

والاستثناء في قوله : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } يحتمل أن يرجع إلى الجملتين اللتين قبله كما هو الشأن فيه إذا ورد بعد جمل على أصح الأقوال لعلماء الأصول . ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرة منهما وهو مقتضى كونه موافقاً لضميرها إذ كان الضمير في كلتيهما ضمير النسوة . وهو استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الذوات في قوله : { لا تخرجوهن } { ولا يخرجن } . فالمعنى : إلا أن يأتين بفاحشة فأخرجوهن أو ليخرجْن ، أي يباح لكم إخراجهن وليس لهن الامتناع من الخروج وكذلك عكسه .

والفاحشة : الفِعلة الشديدة السوء بهذا غلب إطلاقها في عرف اللغة فتشمل الزنا كما في قوله تعالى : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } الآية في سورة [ النساء : ] 15 .

وشَمل غيره من الأعمال ذات الفساد كما في قوله : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا } [ الأعراف : 28 ] . وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } في سورة [ الأعراف : 33 ] . قال ابن عطية : قال بعض الناس : الفاحشة متى وردت في القرآن معرَّفة فهي الزنا ( يريد أو ما يشبهه ) كما في قوله : { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } [ الأعراف : 80 ] ومتى وردت منكرة فهي المعاصي .

وقرأ الجمهور { مبينة } بكسر الياء التحتية ، أي هي تُبيِّن لمن تبلغه أنها فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجاز باستعارة التبيين للوضوح أو تبيين لولاة الأمور صدورَها من المرأة فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازاً عقلياً وإنما المبيِّن ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل في كل حالة على ما يناسب معنى التبيين .

وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { مبيَّنة } بفتح التحتية ، أي كانت فاحشة بَينتْها الحجة أو بينَها الخارج ومحمل القراءتين واحد .

ووصفها ب { مبينة } إما أن يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش ، أي هي فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها عرفاً . وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التي تخرج .

وقد اختلفوا في المراد من الفاحشة هنا وفي معنى الخروج لأجلها فعن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث بن سعْدود أبي يوسف : أن الفاحشة الزنا ، قالوا : ومعاد الاستثناء الإِذن في إخراجهن ، أي ليقام عليهن الحد .

وفسرت الفاحشة بالبَذَاء على الجيران والأحماء أو على الزوج بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين ونسب هذا إلى أبي بن كعب لأنه قرأ « إلا أن يفحشن عليكم » ( بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي الاعتداء بكلام فاحش ) وروي عن ابن عباس أيضاً واختاره الشافعي .

وفسرت الفاحشة بالمعصية من سرقة أو سب أو خروج من البيت فإن العدة بَلْه الزنا ونسب إلى ابن عباس أيضاً وابن عُمر وقاله السدي وأبو حنيفة .

وعن قتادة الفاحشة : النشوز ، أي إذا طلقها لأجللِ النشوز فلا سكنى لها .

وعن ابن عمر والسدي إرجاع الاستثناء إلى الجملة التي هو موال لها وهي جملة { ولا يخرجن } أي هن منهيات عن الخروج إلا أن يردن أن يأتين بفاحشة ، ومعنى ذلك إرادة تفظيع خروجهن ، أي إن أردن أن يأتين بفاحشة يخرجن وهذا بما يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضده كذا سماه السكاكي تسمية عند الأقدمين تأكيد المادح بما يشبه الذم ومنه قول النابغة :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

فجعلت الآية خروجهن ريبة لهن وحذرت النساء منه بأسلوب خطابي ( بفتح الخاء ) فيكون هذا الاستثناء منعاً لهن من الخروج على طريقة المبالغة في النهي .

ومحمل فعل { يأتين } على هذا الوجه أنه من يردن أن يأتين مثل { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] .

وقد ورد في « الصحيح » عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته فاطمة بنت قيس الفهرية فأخبرته أن زوجها أبا عمرو بن حفص أو أبا حفص بن عَمرو ( وكان وجهه النبي صلى الله عليه وسلم مع عليّ إلى اليمن ) فأرسل إليها من اليمن بتطليقة صادفت آخر الثلاث فبانت منه ، وأنه أرسل إلى بعض ذويه بأن ينفقوا عليها مدة العدة فقالوا لها : ما لكِ نفقة إلا أن تكوني حاملاً ، وأنها رفعت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم . وفي رواية أنها قالت : أخاف أن يُقْتَحَم عليَّ ( بالبناء للمجهول ) ، وفي رواية أنها كانت في مكان وحْش مخيف على ناحيتها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال .

واختلف العلماء في انتقالها فقال جماعة : هو رُخصة لفاطمة بنت قيس لا تتجاوزها وكانت عائشة أم المؤمنين ترى ذلك ، روَى البخاري أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق امرأته عَمرة بنت عبد الرحمان بن الحكم وكان عمُّها مروان بن الحكم أميرَ المدينة يومئذٍ فانتقلها أبوها إليه فبلغ ذلك عائشةَ أم المؤمنين فأرسلت إلى مروان أن اتَّققِ الله وأرددها إلى بيتها فقال مروان : أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس ؟ قالت عائشة : لا يضركَ أن لا تذكر حديثَ فاطمة ، فقال مروان : إن كان بككِ الشَّرَّ فحسبككِ ما بين هذين من الشَّر ، ( ولعل عائشة اقتنعت بذلك إذ لم يرد أنها ردت عليه ) .

وفي « الصحيح » عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا ندع كتاب الله وسنةَ نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت . وقالت عائشة : ليس لفاطمة بنت قيس خبر في ذكر هذا الحديث وعابت عليها أشدَّ العيب . وقالت إن فاطمة كانت في مكان وحش مُخيف على ناحيتها فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال . ويظهر من هذا أنه اختلاف في حقيقة العذر المسوغ للانتقال . قال مالك : وليس للمرأة أن تنتقل من موضع عدتها بغير عذر رواه الباجي في « المنتقى » .

وقال ابن العربي : إن الخروج للحدث والبَذاء والحاجة إلى المعايش وخوففِ العودة من المسكن جائز بالسنة .

ومن العلماء من جوز الانتقال للضرورة وجعلوا ذلك محمل حديث فاطمة بنت قيس فإنها خيف عليها في مكان وحش وحدث بينها وبين أهل زوجها شر وبَذاء قال سعيد بن المسيب : تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها أنها كانت لَسِنَة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل وهذا الاختلاف قريب من أن يكون اختلافاً لفظياً لاتفاق الجميع عدا عمر بن الخطاب على أن انتقالها كان لعذر قَبله النبي صلى الله عليه وسلم فتكون تلك القضية مخصصة للآية ويجري القياس عليها إذا تحققت علة القياس .

أما قول عمر بن الخطاب : لا نَدع كتابَ الله وسنةَ نبينا لقول امرأة أحفظتْ أم نسيت . فهو دحض لرواية فاطمة ابنة قيس بشكَ له فيه فلا تكون معارضة لآية حتى يصار إلى الجمع بالتخصيص والترخيص . وقال ابن العربي : قيل إن عمر لم يخصص القرآن بخبر الواحد .

وأما تحديد منع خروج المعتدة من بيتها فلا خلاف في أن مبيتها في غير بيتها حرام . وأما خروجها نهاراً لقضاء شؤون نفسها فجوزه مالك والليث بن سعد وأحمد للمعتدة مطلقاً .

وقال الشافعي : المطلقة الرجعية لا تخرج ليلاً ولا نهاراً والمبتوتة تخرج نهاراً . وقال أبو حنيفة : تخرج المعتدة عدة الوفاة نهاراً ولا تخرج غيرها ، لا ليلاً ولا نهاراً .

وفي « صحيح مسلم » أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن حديثها فلما أبلغ إليه قال : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا عليها الناس . فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : « فبَيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } . هذا لمن كان له رجعة فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً فعَلام تحبسُونها فظنت أن ملازمة بيتها لاستبقاء الصلة بينها وبين مفارقها وأنها ملزمة بذلك لأجْل الإنفاق .

والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة أنها حفظ الإعراض فإن المطلقة يكثر إلتفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف عليها ولا تجد ذا عصمة يذب عنها فلذلك شرعت لها السكنى ولا تخرج إلا لحاجياتها فهذه حكمة من قبيل المَظنة فإذا طرأ على الأحوال ما أوقعها في المشقة أو أوقع الناس في مشقة من جرائها أخرجت من ذلك المسكن وجرَى على مكثها في المسكن الذي تنتقل إليه ما يجري عليها في مسكن مطلقها لأن المظِنة قد عارضتها مَئِنَّة . ومن الحكم أيضاً في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكناً لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال وإنما هن عيال على الرجال فلما كانت المعتدة ممنوعة من التزوج كان إسكانها حقاً على مفارقها استصحاباً للحال حتى تحل للتزوج فتصير سكناها على من يتزوجها . ويزاد في المطلقة الرجعية قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها لعلهُ أن يثوب إليه رشده فيراجعها فلا يحتاج في مراجعتها إلى إعادة التذاكر بينه وبينها أو بينه وبين أهلها . فهذا مجموع علل فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها بخلاف العلة المركبة إذا تخلف جزء منها .

{ وَتِلْكَ حُدُودُ الله } .

الواو اعتراضية والجملة معترضة بين جملة { ولا يخرجن } ، وجملة { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } أريد بهذا الاعتراض المبادرة بالتنبيه إلى إقامة الأحكام المذكورة من أول السورة إقامةً لا تقصير فيها ولا خيرة لأحد في التسامح بها ، وخاصة المطلَّقة والمطلِّق أن يحسبا أن ذلك من حقهما انفراداً أو اشتراكاً .

والإشارة إلى الجمل المتقدمة باعتبار معانيها بتأويل القضايا .

والحدودُ : جمع حد وهو ما يَحُد ، أي يمنع من الاجتياز إلى ما ورائه للأماكن التي لا يحبون الاقتحام فيها إما مطلقاً مِثل حدود الحِمى وإما لوجوب تغيير الحالة مثل حدود الحَرم لمنع الصيد وحدود المواقيت للإحرام بالحج والعمرة .

والمعنى : أن هذه الأحكام مشابهة الحدود في المحافظة على ما تقتضيه في هذا .

ووجه الشبه إنما يراعى بما يسمح به عرف الكلام مثل قولهم : « النحو في الكلام كالملح في الطعام » فإن وجه التشبيه أنه لا يصلح الكلام بدونه وليس ذلك بمقتض أن يكون الكثير من النحو في الكلام مفسداً ككثرة الملح في الطعام .

ووقوع { حدود الله } خبراً عن اسم الإشارة الذي أشير به إلى أشياء معينة يجعل إضافة حدود إلى اسم الجلالة مراداً منها تشريف المضاف وتعظيمه .

والمعنى : وتلك مما حدّ الله فلا تفيد تعريف الجمع بالإضافة عموماً لصرف القرينة عن إفادة ذلك لظهور أن تلك الأشياء المعينة ليست جميع حدود الله .

{ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نفسه } .

عطف على جملة ، { وتلك حدود الله } . فهو تتميم وهو المقصود من التذييل وإذ قد كان حدود الله جمعاً معرفاً بالإضافة كان مفيداً للعموم إذ لا صارف عن إرادة العموم بخلاف إضافة حدود الله السابق .

والمعنى : من يتعد شيئاً من حدود الله فقد ظلم نفسه ، وبهذا تعلم أن ليس في قوله : { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } إظهار في مقام الإضمار لاختلاف هذين المركبين بالعموم والخصوص وجيء بهذا الإطناب لتهويل أمر هذا التعدي .

وأُخبر عن متعديها بأنه ظلم نفسه للتخويف تحذيراً من تعدي هذه الحدود فإن ظلم النفس هو الجريرة عليها بما يعود بالإضرار وذلك منه ظلم لها في الدنيا بتعريض النفس لعواقب سيئة تنجر من مخالفة أحكام الدين لأن أحكامه صلاح للناس فمن فرط فيها فاتته المصالح المنطوية هي عليها .

قال : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطَهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } [ المائدة : 6 ] .

ومنه ظلم للنفس في الآخرة بتعريضها للعقاب المتوعد به على الإخلال بأحكام الدّين قال تعالى : { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنتُ لمن الساخرين أو تقولَ لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } [ الزمر : 56 58 ] فإن للمؤمنين حظاً من هذا الوعيد بمقدار تفاوت ما بين الكفر ومجرد العصيان وجيء في هذا التحذير بمَن الشرطية لإفادة عموم كل من تعدى حدود الله فيدخل في ذلك الذين يتعدون أحكام الطلاق وأحكام العدة في هذا العموم .

{ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمرا } .

هذه الجملة تعليل لجملة { فطلقوهن لعدتهن } وما ألحق بها مما هو إيضاح لها وتفصيل لأحوالها . ولذلك جاءت مفصولة عن الجمل التي قبلها .

ويجوز كونها بَدلاً من جملة { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } بدل اشتمال لأن ظلم النفس بعضه حاصل في الدنيا وهو مشتمل على إضاعة مصالح النفس عنها . وقد سلك في هذه الآية مسلك الترغيب في امتثال الأحكام المتقدمة بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها .

فمن مصالح الاعتداد ما في مدة الاعتداد من التوسيع على الزوجين في مهلة النظر في مصير شأنهما بعد الطلاق ، فقد يتضح لهما أو لأحدهما متاعب وأضرار من انفصام عروة المعاشرة بينهما فَيعُّدّ ما أضجرهما من بعض خُلقهما شيئاً تافهاً بالنسبة لما لحقهما من أضرار الطلاق فيندم كلاهما أو أحدهما فيجدا من المدة ما يسع للسعي بينهما في إصلاح ذات بينهما .

والمقصود الإشارة إلى أهم ما في العدة من المصالح وهو ما يُحدثه الله من أمر بعد الطلاق وتنكير أمر للتنويع .

أي أمراً موصوفاً بصفة محذوفة ، أي أمراً نافعاً لهما .

وهذا الأمر هو تقليب القلوب من بغض إلى محبة ، ومن غضب إلى رضى ، ومن إيثار تحمل المخالفة في الأخلاق مع المعاشرة على تحمل آلام الفراق وخاصة إذا كان بين المتفارقين أبناء ، أو من ظهور حمل بالمطلقة بعد أن لم يكن لها أولاد فيلزُّ ظهوره أباه إلى مراجعة أمه المطلقة . على أن في الاعتداد والإسكان مصالح أخرى كما علمته آنفاً .

والخطاب في قوله : { لا تدري } لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قَصر بصره إلى حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط فِكرُه بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما قال تعالى : { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } [ النساء : 19 ] .

ولعل كلمة { لا تدري } تجري مجرى المثل فلا يراد مما فيها من علامة الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على توجيه الخطاب لغير معين .

و { لعل } ومعمولاها سادّة معلقة فعل { تدري } عن العمل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا} (1)

مقدمة السورة:

مدنية في قول الجميع . وهي إحدى عشرة آية ، أو اثنتا عشرة آية .

فيه أربع عشرة مسألة :

الأولى- قوله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء{[15062]} " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، خوطب بلفظ الجماعة تعظيما وتفخيما . وفي سنن ابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها . وروى قتادة عن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى عليه : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " . وقيل له : راجعها فإنها قوامة صوامة ، وهي من أزواجك في الجنة . ذكره الماوردي والقشيري والثعلبي . زاد القشيري : ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى : " لا تخرجوهن من بيوتهن " . وقال الكلبي : سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة ، لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة ، فنزلت الآية . وقال السدي : نزلت في عبدالله بن عمر ، طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر ، فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها . فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء . وقد قيل : أن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبدالله بن عمر ، منهم عبدالله بن عمرو بن العاص ، وعمرو بن سعد بن العاص ، وعتبة بن غزوان ، فنزلت الآية فيهم . قال ابن العربي : وهذا كله وإن لم يكن صحيحا فالقول الأول أمثل . والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ . وقد قيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة ، كما قال : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة{[15063]} " [ يونس : 22 ] . تقديره : يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن . وهذا هو قولهم : إن الخطاب له وحده والمعنى له وللمؤمنين . وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقول : " يا أيها النبي " . فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال : " يا أيها الرسول " .

قلت : ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية . ففي كتاب أبي داود عنها أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق ، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق . وقيل : المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما ، ثم ابتدأ فقال : " إذا طلقتم النساء " ، كقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام " [ المائدة : 90 ] الآية{[15064]} . فذكر المؤمنين على معنى تقديمهم وتكريمهم ، ثم افتتح فقال : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام " الآية .

الثانية- روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ) . وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش ) . وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات ) . وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق ) . أسند جميعه الثعلبي رحمه الله في كتابه . وروى الدارقطني قال : حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض{[15065]} أبغض من الطلاق . فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ) . حدثنا محمد بن موسى بن علي قال : حدثنا حميد بن الربيع قال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه . قال حميد : قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك معروفا ؟ قلت : هو جدي . قال يزيد : سررتني سررتني ! الآن صار حديثا . حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد حدثنا حميد بن مالك اللخمي حدثنا مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق فمن طلق واستثنى فله ثُنْياه ) . قال ابن المنذر : اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق ، فقالت طائفة : ذلك جائز . وروينا هذا القول عن طاوس . وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي . ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي . وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .

الثالثة- روى الدارقطني من حديث عبدالرزاق أخبرني عمي وهب بن نافع قال سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس يقول : الطلاق على أربعة وجوه : وجهان حلالان ووجهان حرامان ، فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع وأن أطلقها حاملا مستبينا حملها . وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض ، أو يطلقها حين يجامعها ، لا تدري اشتمل الرحم على ولد أم لا .

الرابعة- قوله تعالى : " فطلقوهن لعدتهن " في كتاب أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله سبحانه حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق ، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق . وقد تقدم .

الخامسة- قوله تعالى : " لعدتهن " يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن من الأزواج ؛ لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها{[15066]} " [ الأحزاب : 49 ] .

السادسة- من طلق في طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنة . وإن طلقها حائضا نفذ طلاقه وأخطأ السنة . وقال سعيد بن المسيب في أخرى{[15067]} : لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة . وإليه ذهبت الشيعة . وفي الصحيحين - واللفظ للدارقطني - عن عبدالله بن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض ، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله ) . وكان عبدالله بن عمر طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها وراجعها عبدالله بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم . في رواية عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هي واحدة ) . وهذا نص . وهو يرد على الشيعة قولهم .

السابعة- عن عبدالله بن مسعود قال : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة ، فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها . رواه الدارقطني عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله . قال علماؤنا : طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة : وهو أن يطلقها واحدة ، وهي ممن تحيض ، طاهرا ، لم يمسها في ذلك الطهر ، ولا تقدمه طلاق في حيض ، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه ، وخلا عن العوض . وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدم . وقال الشافعي : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر خاصة ، ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة . وقال أبو حنيفة : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة . وقال الشعبي : يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه . فعلماؤنا قالوا : يطلقها واحدة في طهر لم يمس فيه ، ولا تبعه طلاق في عدة ، ولا يكون الظهر تاليا لحيض وقع فيه الطلاق ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق . فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ) . وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى : " فطلقوهن لعدتهن " وهذا عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر . وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد . وكذلك حديث ابن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الوقت لا العدد . قال ابن العربي : " وهذه غفلة عن الحديث الصحيح ، فإنه قال : ( مره فليراجعها ) وهذا يدفع الثلاث . وفي الحديث أنه قال : أرأيت لو طلقها ثلاثا ؟ قال حرمت عليك وبانت منك بمعصية . وقال أبو حنيفة : ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء . وهو مذهب الشافعي لولا قوله بعد ذلك : " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " . وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية . وكذلك قال أكثر العلماء ، وهو بديع لهم . وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية كما قالوا ، ولكن الحديث فسرها كما قلنا . وأما قول الشعبي : إنه يجوز طلاق في طهر جامعها فيه ، فيرده حديث ابن عمر بنصه ومعناه . أما نصه فقد قدمناه ، وأما معناه فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم الاعتداد به ، فالطهر المجامع فيه أولى بالمنع ؛ لأنه يسقط الاعتداد به مخافة شغل الرحم وبالحيض التالي له .

قلت : وقد احتج الشافعي في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدارقطني عن سلمة بن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبيه أن عبدالرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة ، فلم يبلغنا أن أحدا من أصحابه عاب ذلك . قال : وحدثنا سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول اله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة ، فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه . واحتج أيضا بحديث عويمر العجلاني لما لاعن قال : يا رسول الله ، هي طالق ثلاث . فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن انفصال . بيانه في غير هذا الموضع . وقد ذكرناه في كتاب ( المقتبس من شرح موطأ مالك بن أنس ) . وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع ، فشبهوه بمن وكل بطلاق السنة فخالف{[15068]} .

الثامنة- قال الجرجاني : اللام في قوله تعالى : " لعدتهن " بمعنى في ، كقوله تعالى : " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر{[15069]} " [ الحشر : 2 ] . أي في أول الحشر . فقوله : " لعدتهن " أي في عدتهن ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن . وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه . ففيه دليل على أن القرء هو الطهر . وقد مضى القول فيه في " البقرة{[15070]} " فإن قيل : معنى " فطلقوهن لعدتهن " أي في قبل{[15071]} عدتهن ، أو لقبل عدتهن . وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره . فقيل العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض{[15072]} ، قيل له : هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله ، على أن الأقراء هي الأطهار . ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال : إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقا لقبل الحيض ؛ لأن الحيض لم يقبل بعد . وأيضا إقبال الحيض يكون بدخول الحيض ، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض . ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطرا قبل مغيب الشمس ؛ إذ الليل يكون مقبلا في إدبار النهار قبل انقضاء النهار . ثم إذا طلق في آخر الطهر فبقية الطهر قرء ، ولأن بعض القرء يسمى قرءا لقوله تعالى : " الحج أشهر معلومات " [ البقرة : 197 ] يعني شوالا وذا القعدة وبعض ذي الحجة ؛ لقوله تعالى : " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " [ البقرة : 203 ] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني . وقد مضى هذا كله في " البقرة " مستوفى{[15073]} .

التاسعة- قوله تعالى : " وأحصوا العدة " يعني في المدخول بها ؛ لأن غير المدخول بها لا عدة عليها ، وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة ، ويكون بعدها كأحد الخطاب . ولا تحل له في الثلاث إلا بعد زوج .

العاشرة- قوله تعالى : " وأحصوا العدة " معناه احفظوها ، أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق ، حتى إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " [ البقرة : 228 ] حلت للأزواج . وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار وليست بالحيض . ويؤكده ويفسره قراءة النبي صلى الله عليه وسلم " لقبل عدتهن " وقبل الشيء بعضه لغة وحقيقة ، بخلاف استقباله فإنه يكون غيره .

الحادية عشرة- من المخاطب بأمر الإحصاء ؟ وفيه ثلاث أقوال : أحدها : أنهم الأزواج . الثاني : أنهم الزوجات . الثالث : أنهم المسلمون . ابن العربي : " والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج ؛ لأن الضمائر كلها من " طلقتم " و " أحصوا " و " لا تخرجوا " على نظام واحد يرجع إلى الأزواج ، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج ؛ لأن الزوج يحصي ليراجع ، وينفق أو يقطع ، وليسكن أو يخرج وليلحق نسبه أو يقطع . وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة ، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك . وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدة للفتوى عليها ، وفصل الخصومة عند المنازعة فيها . وهذه فوائد الإحصاء المأمور به " .

الثانية عشرة- قوله تعالى : " واتقوا الله ربكم " أي لا تعصوه . " لا تخرجوهن من بيوتهن " أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ، ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة . والرجعية والمبتوتة في هذا سواء . وهذا لصيانة ماء الرجل . وهذا معنى إضافة البيوت إليهن ، كقوله تعالى : " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة{[15074]} " [ الأحزاب : 34 ] ، وقوله تعالى : " وقرن في بيوتكن{[15075]} " [ الأحزاب : 33 ] فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك . وقوله : " لا تخرجوهن " يقتضي أن يكون حقا في الأزواج . ويقتضي قوله : " ولا يخرجن " أنه حق على الزوجات . وفي صحيح الحديث عن جابر بن عبدالله قال : طلقت خالتي فأرادت أن تجد{[15076]} نخلها فزجرها رجل أن تخرج ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( بلى فجُدّي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا ) . خرجه مسلم . ففي هدا الحديث دليل لمالك والشافعي وابن حنبل والليث على قولهم : أن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها ، وإنما تلزم منزلها بالليل . وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة . وقال الشافعي في الرجعية : لا تخرج ليلا ولا نهارا ، وإنما تخرج نهارا المبتوتة . وقال أبو حنيفة : ذلك في المتوفي عنها زوجها ، وأما المطلقة فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا . والحديث يرد عليه .

وفي الصحيحين أن أبا حفص{[15077]} بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن ، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطلقة كانت بقيت من طلاقها ، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة ، فقالا لها : والله مالك من نفقة إلا أن تكوني حاملا . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له قولهما . فقال : ( لا نفقة لك ) ، فاستأذنته في الانتقال فأذن لها ، فقالت : أين يا رسول الله ؟ فقال : ( إلى ابن أم مكتوم ) ، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها . فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد . فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث ، فحدثته . فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة ، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها . فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : فبيني وبينكم القرآن ، قال الله عز وجل : " لا تخرجوهن من بيوتهن " الآية ، قالت : هذا لمن كانت له رجعة ، فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟ فكيف تقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا ، فعلام تحبسونها ؟ لفظ مسلم . فبين أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية . وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية ؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها ، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت . وأما البائن فليس له شيء من ذلك ، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة ، أو خافت عورة منزلها ، كما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . وفي مسلم - قالت فاطمة يا رسول الله ، زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي . قال : فأمرها فتحولت .

وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها ؛ فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها . وهذا كله يرد على الكوفي قول . وفي حديث فاطمة : أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ، فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي . وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة ، على ما تقدم .

الثالثة عشرة- قوله تعالى : " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد : هو الزنى ، فتخرج ويقام عليها الحد . وعن ابن عباس أيضا والشافعي : أنه البذاء على أحمائها ، فيحل لهم إخراجها . وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة : تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل . وفي كتاب أبي داود قال سعيد : تلك امرأة فتنت{[15078]} الناس ، إنها كانت لَسِنَة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى . قال عكرمة : في مصحف أبي " إلا أن يفحشن عليكم " . ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس : اتقي الله فإنك تعلمين لم أخرجت ؟ وعن ابن عباس أيضا : الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة والبذاء على الأهل . وهو اختيار الطبري . وعن ابن عمر أيضا والسدي : الفاحشة خروجها من بيتها في العدة . وتقدير الآية : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق ، أي لو خرجت كانت عاصية . وقال قتادة : الفاحشة النشوز ، وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحول عن بيته . قال ابن العربي : أما من قال إنه الخروج للزنى ، فلا وجه له ؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام ، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام . وأما من قال : إنه البذاء ، فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس . وأما من قال : إنه كل معصية فوهم ؛ لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج . وأما من قال : إنه الخروج بغير حق ، فهو صحيح . وتقدير الكلام : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا .

الرابعة عشرة- قوله تعالى : " وتلك حدود الله " أي هذه الأحكام التي بينها أحكام الله على العباد ، وقد منع التجاوز عنها فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك . " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " الأمر الذي يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ، فيراجعها . وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة . ومعنى القول : التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث ، فإنه إذا طلق أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع ، فلا يجد عند الرجعة سبيلا . وقال مقاتل : " بعد ذلك " أي بعد طلقة أو طلقتين " أمرا " أي المراجعة من غير خلاف .


[15062]:لفظة: "النساء" ساقطة من ح، س.
[15063]:راجع جـ 8 ص 324.
[15064]:راجع جـ 6 ص 285.
[15065]:زيادة عن سنن الدارقطني.
[15066]:راجع جـ 14 ص 202.
[15067]:في ط "في أخر" وكلتاهما غير واضحة.
[15068]:في ط: "فخالف السنة".
[15069]:راجع ص 1 من هذا الجزء.
[15070]:راجع جـ 3 ص 113.
[15071]:أي في إقباله وأوله حين يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها فتكون لها محسوبة، وذلك في حالة الطهر.
[15072]:في: ح، س "الطهر".
[15073]:راجع جـ 3 ص 1 وص 112.
[15074]:راجع جـ 14 ص 182.
[15075]:راجع جـ 14 ص 182.
[15076]:الجداد (بفتح الجيم وكسرها): صرام النخل، وهو قطع ثمرها.
[15077]:ويقال فيه: "أبو عمرو بن حفص". راجع كتاب الإصابة جـ 7 ص 44، 136 (طبع الشرفية).
[15078]:قوله "فتنت الناس" يريد أنها فتنت الناس بذكرها حديثها أن النبي عليه السلام أمرها أن تنتقل من بيت مطلقها على وجه يوقع الناس في الخطأ. وقوله "لسنة" بكسر السين: أي كانت تأخذ الناس وتجرحهم بلسانها. وقوله "فوضعت" أي أخرجت من بيت زوجها وجعلت كالوديعة عند ابن أم مكتوم..