التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ} (19)

وقوله : { فطاف عليها طائف من ربّك } ، الطواف : المشي حول شيء من كل جوانبه يُقال : طاف بالكعبة ، وأريد به هنا تمثيل حالة الإِصابة لشيء كله بحال من يطوف بمكان ، قال تعالى : { إذا مسهم طائف من الشيطان } الآية [ الأعراف : 201 ] .

وعُدّي ( طاف ) بحرف ( على ) لتضمينه معنى : تسلط أو نزل .

ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك ، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به ، فإسناد فعل ( طاف ) إلى { طائف } بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل : فطِيف عليها وهم نائمون .

وعن الفراء : أن الطائف لا يكون إلاّ بالليل ، يعني ومنه سمي الخيال الذي يراه النائم في نومه طَيفاً . قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل ، وفي هذا نظر .

فقوله : { وهم نائمون } تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول ، وهو تأكيد لمعنى { طائف } على تفسير الفراء ، وفائدته تصوير الحالة .

وتنوين { طائف } للتعظيم ، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله : { فأصبحت كالصريم } فهو طائف سوء ، قيل : أصابها عنق من نار فاحترقت .

و { من ربّك } أي جائياً من قِبَل ربّك ، ف { مِن } للابتداء يعني : أنه عذاب أرسل إليهم عقاباً لهم على عدم شكر النعمة .

وعُجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين . ويؤخذ من الآية موعظة للذين لا يواسون بأموالهم .

وإذْ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيوياً لم يكن في الآية ما يدل على أن أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ} (19)

فجاؤوها ليلا فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . قيل : الطائف جبريل عليه السلام ، على ما تقدم ذكره . وقال ابن عباس : أمر من ربك . وقال قتادة : عذاب من ربك . ابن جريج : عتق من نار خرج من وادي جهنم . والطائف لا يكون إلا بالليل ، قاله الفراء .

الثالثة- قلت : في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم . ونظير هذه الآية قوله تعالى : " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم{[15258]} " [ الحج : 25 ] . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قيل : يا رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) . وقد مضى مبينا في سورة " آل عمران " عند قوله تعالى : " ولم يصروا على ما فعلوا{[15259]} " [ آل عمران : 135 ] .


[15258]:راجع جـ 12 ص 34.
[15259]:راجع جـ 4 ص 215.