التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (34)

استئناف بياني لأن من شأن ما ذكر من عذاب الآخرة للمجرمين أن ينشأ عنه سؤال في نفس السامع يقول : فما جزاء المتقين ؟ وهو كلام معترض بين أجزاء الوعيد والتهديد وبين قوله : { سنسمه على الخرطوم } [ القلم : 16 ] وقوله : { كذلك العذاب } [ القلم : 33 ] . وقد أشعر بتوقع هذا السؤال قوله بعده : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } [ القلم : 35 ] كما سيأتي .

وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بشأن المتقين ليسبق ذكرُ صفتهم العظيمة ذكْرَ جزائها .

واللام للاستحقاق . و { عند } ظرف متعلق بمعنى الكون الذي يقتضيه حرف الجر ، ولذلك قُدم متعلَّقُه معه على المسند إليه لأجل ذلك الاهتمام . وقد حصل من تقديم المسند بما معه طولٌ يثير تشويق السامع إلى المسند إليه . والعِندية هنا عندية كرامةٍ واعتناء .

وإضافة { جنات } إلى { النعيم } تفيد أنها عُرفت به فيشار بذلك إلى ملازمة النعيم لها لأن أصل الإِضافة أنها بتقدير لام الاستحقاق ف { جنات النعيم } مفيد أنها استحَقها النعيم لأنها ليس في أحوالها إلاّ حال نعيم أهلها ، فلا يكون فيها ما يكون في جنات الدّنيا من المتاعب مثل الحَرّ في بعض الأوقات أو شدة البرد أو مثل الحشرات والزنانير ، أو ما يؤذي مثل شوك الأزهار والأشجار وروث الدواب وذرق الطير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (34)

قوله تعالى : " إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم " تقدم القول فيه ، أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص ، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا . وكان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها ، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا ، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا ، وأقصى أمرهم أن يساوونا .