التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا} (18)

وانتصب { عيناً } على البدل من { زنجبيلاً } كما تقدم في قوله : { كان مزاجها كافوراً عيناً يشرب بها عباد الله } [ الإنسان : 5 ، 6 ] .

ومعنى كون الزنجبيل عيناً : أن منقوعه أو الشراب المستخرج منه كثير كالعين على نحو قوله تعالى : { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } [ محمد : 15 ] ، أي هو كثير جداً وكان يعرف في الدنيا بالعزة .

و ( سلسبيل ) : وصف قيل مشتق من السلاسة وهي السهولة واللين فيقال : ماء سلسل ، أي عذب بارد . قيل : زيدت فيه الباء والياء ( أي زيدتا في أصل الوضع على غير قياس ) .

قال التبريزي في « شرح الحماسة » في قول البعيث بن حُرَيْث :

خَيالٌ لأمِّ السَّلْسبيل ودُونَها *** مسيرة شهر للبريد المذبذب

قال أبو العلاء : السلسبيل الماء السهل المَساغ . وعندي أن هذا الوصف ركب من مادتي السلاسة والسَّبَالة ، يقال : سبلت السماء ، إذا أمطرت ، فسبيل فعيل بمعنى مفعول ، رُكب من كلمتي السلاسة والسبيل لإِرادة سهولة شربه ووفرة جريه . وهذا من الاشتقاق الأكبر وليس باشتقاق تصريفي .

فهذا وصف من لغة العرب عند محققي أهل اللغة . وقال ابن الأعرابي : لم أسمع هذه اللفظة إلاّ في القرآن ، فهو عنده من مبتكرات القرآن الجارية على أساليب الكلام العربي ، وفي « حاشية الهمذاني على الكشاف » نسبة بيت البعث المذكور آنفاً مع بيتين بعده إلى أمية بن أبي الصلت وهو عزو غريب لم يقله غيره .

ومعنى { تسمى } على هذا الوجه ، أنها توصف بهذا الوصف حتى صار كالعلم لها كما قال تعالى : { لَيُسَمُّونَ الملائكة تسميةَ الأنثى } [ النجم : 27 ] أي يصفونهم بأنهم إناث ، ومنه قوله تعالى : { هل تعلم له سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] أي لا مثيل له . فليس المراد أنه علَم .

ومن المفسرين من جعل التسمية على ظاهرها وجعل { سلسبيلاً } علماً على هذه العين ، وهو أنسب بقوله تعالى : { تسمَّى . } وعلى قول ابن الأعرابي والجمهور : لا إشكال في تنوين { سلسبيلاً } . وأما الجواليقي : إنه أعجمي سمّي به ، يكون تنوينه للمزاوجة مثل تنوين { سلاسلا } [ الإنسان : 4 ] .

وهذا الوصف ينحلّ في السمع إلى كلمتين : سَل ، سَبيلا ، أي اطلُب طريقاً . وقد فسره بذلك بعض المفسرين وذكر أنه جُعل عَلَماً لهذه العين من قبيل العلَم المنقول عن جملة مثل : تَأبط شراً ، وذَرَّى حَبّاً . وفي « الكشاف » أن هذا تكلف وابتداع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا} (18)

" عينا " بدل من كأس . ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل أي يسقون عينا . ويجوز نصبه بإسقاط الخافض أي من عين على ما تقدم في قوله تعالى : " عينا يشرب بها عباد الله " [ الإنسان : 6 ] . " فيها " أي في الجنة

" تسمى سلسبيلا " السلسبيل الشراب اللذيذ ، وهو فعليل من السلالة . تقول العرب : هذا شراب سلس وسلسال وسلسل وسلسبيل بمعنى ، أي طيب الطعم لذيذه . وفي الصحاح : وتسلسل الماء في الحلق جرى ، وسلسلته أنا صببته فيه ، وماء سلسل وسلسال : سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه ، والسلاسل بالضم مثله .

وقال الزجاج : السلسبيل في اللغة : اسم لما كان في غاية السلاسة ، فكأن العين سميت بصفتها . وعن مجاهد قال : سلسبيلا : حديدة الجرية تسيل في حلوقهم انسلالا .

ونحوه عن ابن عباس : إنها الحديدة الجري . ذكره الماوردي ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عليهم *** بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ{[15690]}

وقال أبو العالية ومقاتل : إنما سميت سلسبيلا ؛ لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم ، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة . وقال قتادة : سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا . ونحوه عن عكرمة . وقال القفال : أي تلك عين شريفة فسل سبيلا إليها . وروي هذا عن علي رضي الله عنه . وقوله : " تسمى " أي إنها مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة بهذا الاسم . وصرف سلسبيل ؛ لأنه رأس آية ، كقوله تعالى : " الظنونا " [ الأحزاب : 10 ] و " السبيلا " [ الأحزاب : 67 ] .


[15690]:البريص: نهر بدمشق. وبردى نهر آخر بدمشق أيضا أي ماء بردى.