التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا} (14)

{ ودانية عليهم ظلالها } انتصب { دانية } عطفاً على { متكئين } لأن هذا حال سببي من أحوال المتكئين ، أي ظلال شجر الجنة قريبَة منهم . و { ظلالها } فاعل { دانية } وضمير { ظلالها } عائد إلى { جنة } .

ودنو الظلال : قربها منهم وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنوّ الظلال كناية عن تدلّي الأدواح التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد الدنيا ولكن الجنة لا شمس فيها فيستظلَّ من حرّها ، فتعين أن تركيب { دانيةً عليهم ظلالُها } مثَل يطلق على تدلِّي أفنان الجنة لأن الظل المظلل للشخص لا يتفاوت بدنوّ ولا بعد ، وقد يكون { ظلالها } مجازاً مرسلاً عن الأفنان بعلاقة اللزوم .

والمعنى : أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم وذلك مما يزيدها بهجة وحسناً وهو في معنى قوله تعالى : { قُطُوفها دانية } [ الحاقة : 23 ] .

ولذلك عطف عليه جملة { وذُلّلت قطوفها تذليلاً } . أي سخرت لهم قطوف تلك الأدواح وسهلت لهم بحيث لا التواء فيها ولا صلابة تتعب قاطفها ولا يتمطَّون إليها بل يجتنونها بأسهلِ تناول .

فاستعير التذليل للتيسير كما يقال : فرس ذَلول : أي مِطواع لراكبه ، وبقرة ذَلول ، أي ممرنة على العمل ، وتقدم في سورة البقرة .

والقُطوف : جمع قِطف بكسر القاف وسكون الطاء ، وهو العنقود من التمر أو العنب ، سمّي قِطفاً بصيغة من صيغ المفعول مثل ذِبح ، لأنه يقصد قَطفه فإطلاق القطف عليه مجاز باعتبار المآل شاع في الكلام . وضمير { قطوفها } عائد إلى { جنة } أو إلى { ظلالها } باعتبار الظلال كناية عن الأشجار .

و { تذليلاً } مصدر مؤكّد لذلك ، أي تذليلاً شديداً منتهياً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا} (14)

قوله تعالى : " ودانية عليهم ظلالها " أي ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار ، فهي مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر ثم ؛ كما أن أمشاطهم الذهب والفضة ، وإن كان لا وسخ ولا شعث ثم . ويقال : إن ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مائة عام ، فإذا اشتهى ولي الله ثمرتها دانت حتى يتناولها . وانتصبت " دانية " على الحال عطفا على " متكئين " كما تقول : في الدار عبد الله متكئا ومرسلة عليه الحجال . وقيل : انتصبت نعتا للجنة ، أي وجزاهم جنة دانية ، فهي صفة لموصوف محذوف . وقيل : على موضع " لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا " ويرون دانية ، وقيل : على المدح أي دنت دانية . قاله الفراء . " ظلالها " الظلال مرفوعة بدانية ، ولو قرئ برفع دانية على أن تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر لجاز ، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في " وجزاهم " وقد قرئ بذلك . وفي قراءة عبد الله " ودانيا عليهم " لتقدم الفعل . وفي حرف أبي " ودان " رفع على الاستئناف " وذللت " أي سخرت لهم " قطوفها " أي ثمارها " تذليلا " أي تسخيرا ، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع ، لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك . قاله قتادة . وقال مجاهد : إن قام أحدا ارتفعت له ، وإن جلس تدلت عليه ، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها . وعنه أيضا : أرض الجنة من ورق ، وترابها الزعفران ، وطيبها مسك أذفر ، وأصول شجرها ذهب وورق ، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت ، والثمر تحت ذلك كله ، فمن أكل منها قائما لم تؤذه ، ومن أكل منها قاعدا لم تؤذه ، ومن أكل منها مضطجعا لم تؤذه .

وقال ابن عباس : إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول منها ما يريد ، وتذليل القطوف تسهيل التناول . والقطوف : الثمار ، الواحد قطف بكسر القاف ، سمي به لأنه يقطف ، كما سمي الجنى لأنه يجنى . " تذليلا " تأكيد لما وصف به من الذل ؛ كقوله : " ونزلناه تنزيلا " [ الإسراء : 106 ] " وكلم الله موسى تكليما " [ النساء : 164 ] . الماوردي : ويحتمل أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها ، وتخلص لهم من نواها .

قلت : وفي هذا بعد ، فقد روى ابن المبارك ، قال : أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نخل الجنة : جذوعها زمرد أخضر ، وكربها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة ، منها مقطعاتهم وحللهم ، وثمرها أمثال القلال والدلاء ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ليس فيه عجم .

قال أبو جعفر النحاس : ويقال المذلل الذي قد ذلله الماء أي أرواه . ويقال المذلل الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته ، ويقال المذلل المسوى ؛ لأن أهل الحجاز يقولون : ذلل نخلك أي سوه ، ويقال المذلل القريب المتناول ، من قولهم : حائط ذليل أي قصير . قال أبو جعفر{[15683]} : وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول امرئ القيس :

وساقٍ كأنبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ{[15684]}


[15683]:كذا في نسخ الأصل. والذي في المطبوع: "أبو حنيفة".
[15684]:الأنبوب: البردي. والسقى: النخل المسقي. شبه ساق المرأة ببردي قد نبت تحت نخل، فالنخل يظله من الشمس، وذلك أحسن ما يكون به. وصدر البيت: وكشح لطيف كالجديل مخصر.