التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا} (7)

اعتراض بين جملة { يَشْربون من كأس } [ الإنسان : 5 ] الخ وبين جملة { ويطاف عليهم بآنية من فضة } [ الإنسان : 15 ] الخ . وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبِط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة . فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا ، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإِيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا .

والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات ، بعضُه وصف لحالهم في الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة ، فلا حاجة إلى قول الفراء : إن في الكلام إضماراً وتقديره : كانوا يُوفُون بالنذر .

وليست الجملة حالاً من { الأبرار } [ الإنسان : 5 ] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالاً لكانت قيداً ل { يشربون } [ الإنسان : 5 ] ، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا .

والوفاء : أداء ما وجب على المؤدي وافياً دون نقص ولا تقصير فيه .

والنذر : ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نِيته ، قال عنترة :

والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألْقهما دَمي

والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإِيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة { الأبرار } [ الإنسان : 5 ] . r

ويجوز أن يراد { بالنذر } ما ينذرونه من فعل الخير المتقرَّب به إلى الله ، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم .

وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من الإِيمان والعمل الصالح ، وذلك مشعر بأنهم يكثرون نذر الطاعات وفعل القربات ولولا ذلك لما كان الوفاء بالنذر موجباً الثناء عليهم .

والتعريف في ( النذر ) تعريف الجنس فهو يعم كل نذر .

وعطف على { يوفون بالنذر } قوله : { ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً } لأنهم لما وصفوا بالعمل بما ينذرونه أتبع ذلك بذكر حسن نيتهم وتحقق إخلاصهم في أعمالهم لأن الأعمال بالنيات فجمع لهم بهذا صحة الاعتقاد وحسن الأعمال .

وخوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعلق اليوم بالخوف لأنهم إنما يخافون ما يجري في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على الأعمال السيئة بالعقاب فعلق فعل الخوْف بزمان الأشياء المخوفة .

وانتصب { يوماً } على المفعول به ل { يخافون } ولا يصح نصبه على الظرفية لأن المراد بالخوف خوفهم في الدنيا من ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم ، وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم فإنهم في ذلك اليوم آمنون .

ووُصِف اليومُ بأن له شرّاً مستطيراً وصفاً مشعراً بعلة خوفهم إياه . فالمعنى : أنهم يخافون شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يُفضي بهم إلى شره من الأعمال المتوعد عليها بالعقاب .

والشر : العذاب والجزاء بالسوء .

والمستطير : هو اسم فاعل من استطار القاصر ، والسين والتاء في استطار للمبالغة وأصله طار مثل استكبر . والطيران مجازي مستعار لانتشار الشيء وامتداده تشبيهاً له بانتشار الطير في الجو ، ومنه قولهم : الفجر المستطير ، وهو الفجر الصادق الذي ينتشر ضوؤه في الأفق ويقال : استطار الحريق إذا انتشر وتلاحق .

وذكر فعل { كان } للدلالة على تمكن الخبر من المخبر عنه وإلاّ فإن شر ذلك اليوم ليس واقعاً في الماضي وإنما يقع بعد مستقبل بعيد ، ويجوز أن يجعل ذلك من التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه .

وصيغة { يخافون } دالة على تجدد خوفهم شّر ذلك اليوم على نحو قوله : { يوفون بالنذر } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا} (7)

قوله تعالى : " يوفون بالنذر " أي لا يخلفون إذا نذروا . وقال معمر عن قتادة : بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من الواجبات . وقال مجاهد وعكرمة : يوفون إذا نذروا في حق الله جل ثناؤه . وقال الفراء والجرجاني : وفي الكلام إضمار ، أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا . والعرب قد تزيد مرة " كان " وتحذف أخرى . والنذر : حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله . وإن شئت قلت في حده : النذر : هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه . وقال الكلبي : " يوفون بالنذر " أي يتممون العهود والمعنى واحد ، وقد قال الله تعالى : " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " [ الحج : 29 ] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج . وهذا يقوي قول قتادة .

وأن النذر يندرج فيه ما التزمه المرء بإيمانه من امتثال أمر الله ، قاله القشيري .

وروى أشهب عن مالك أنه قال : " يوفون بالنذر " هو نذر العتق والصيام والصلاة .

وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك . " يوفون بالنذر " قال : النذر : هو اليمين .

قوله تعالى : " ويخافون " أي يحذرون " يوما " أي يوم القيامة . " كان شره مستطيرا " أي عاليا داهيا فاشيا{[15670]} وهو في اللغة ممتدا ، والعرب تقول : استطار الصدع في القارورة والزجاجة واستطال : إذا امتد ، قال الأعشى :

وبانتْ وقد أَسْأَرَتْ{[15671]} في الفؤا***د صَدْعًا على نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا

ويقال : استطار الحريق : إذا انتشر . واستطار الفجر إذا انتشر الضوء .

وقال حسان :

وهان على سَرَاةِ بنِي لؤيٍّ *** حريقٌ بالبُوَيرة مستطيرُ{[15672]}

وكان قتادة يقول : استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض .

وقال مقاتل : كان شره فاشيا في السموات فانشقت ، وتناثرت الكواكب ، وفزعت الملائكة ، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه .


[15670]:في أ، ح، ل، و: "قاسيا" وهو تحريف.
[15671]:ويروى: أورثت.
[15672]:سراة بني لؤى أي خيارهم. والبويرة: موضع ببني قريظة، يشير إلى ما فعله المسلمون ببني قريظة.