التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا} (24)

هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً ثانية من { الطاغين } [ النبأ : 22 ] أو حالاً أولى من الضمير في { لابثين } [ النبأ : 23 ] وأن تكون خبراً ثالثاً : ل { كانت مرصاداً } [ النبأ : 21 ] .

وضمير { فيها } على هذه الوجوه عائد إلى { جهنم } [ النبأ : 21 ] .

ويجوز أن تكون صفة ل { أحقاباً } [ النبأ : 23 ] ، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً . فضمير { فيها } على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب .

وحقيقة الذوق : إدراك طعم الطعام والشراب . ويطلق على الإِحساس بغير الطعوم إطلاقاً مجازياً . وشاع في كلامهم ، يقال : ذاق الألم ، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى : { ليذوق وبال أمره } [ المائدة : 95 ] . وقد استعمل هنا في معنييه حيث نَصَب { برداً } و { شراباً } .

والبَرْد : ضد الحرّ ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر ، أي لا يغاثون بنسيم بارد ، والبرد ألذُّ ما يطلبه المحرور . وعن مجاهد والسدّي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البَرْد بالنوم وأنشدوا شاهديْن غير واضحين ، وأيًّا مَّا كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه ، وعطف { ولا شراباً } يناكده . والشراب : ما يُشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش . والحميم : الماء الشديد الحرارة .

والغساق : قرأه الجمهور بتخفيف السين : وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه . ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المُهْل ، وتقدما في سورة ( ص ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا} (24)

قوله تعالى : " لا يذوقون فيها " أي في الأحقاب " بردا ولا شرابا " البرد : النوم في قول أبي عبيدة وغيره ، قال الشاعر{[15748]} :

ولو شئتُ حرمتُ النساء سِوَاكُمُ *** وإن شئتُ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولاَ بَرْدَا

وقاله مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي ، وأنشدوا قول الكندي :

بَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عليَّ فَصَدَّنِي *** عنها وعن تقبيلها البَرْدُ

يعني النوم . والعرب تقول : منع البرد البرد ، يعني : أذهب البرد النوم . قلت : وقد جاء الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم . فقال : ( لا ، النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها ) فكذلك النار ، وقد قال تعالى : " لا يقضى عليهم فيموتوا " [ فاطر : 36 ] وقال ابن عباس : البرد : برد الشراب . وعنه أيضا : البرد النوم : والشراب الماء . وقال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ، ولا ظل ، ولا نوم . فجعل البرد برد كل شيء له راحة ، وهذا برد ينفعهم ، فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به ، فلا ينفعهم ، فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به . وقال الحسن وعطاء وابن زيد : بردا : أي روحا وراحة ، قال الشاعر{[15749]} :

فلا الظلَّ من برد الضحى تستطيعُه *** ولا الفيءَ أوقات{[15750]} العشيّ تذوقُ

قوله تعالى : " لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا " جملة في موضع الحال من الطاغين ، أو نعت للأحقاب ، فالأحقاب ظرف زمان ، والعامل فيه " لابثين " أو " لبثين " على تعدية فعل .


[15748]:هو العرجى: عبد الله بن عمرو بن عمرو بن عثمان بن عفان. ونسب إلى العرج، وهو موضع قبل الطائف كان ينزل به. والنقاخ كغراب: الماء الطيب.
[15749]:قائله حميد بن ثور يصف سرحة، وكنى بها عن امرأة.
[15750]:كذا في الأصل. وفي كتب اللغة مادة "فيأ" ولا الفيء من يرد العشى . . . الخ.