التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ} (10)

ونشر الصحف حقيقته : فتح طيّات الصحيفة ، أو إطلاق التفافها لتقرأ كتابتها ، وتقدم في قوله : { أن يؤتَى صُحفاً مُنَشَّرة } في سورة المدثر ( 52 ) ، وعند قوله : { كتاباً يلقاه منشوراً } في سورة الإسراء ( 13 ) .

والمراد : صحف الأعمال ، وهي إما صحف حقيقية مخالفة للصحف المألوفة ، وإما مجازية أطلقت على أشياء فيها إحصاءُ أعمال الناس ، وقد تقدم غير مرة .

وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : { نُشِرت } بتخفيف الشين . وقرأه الجمهور بتشديد الشين للتكثير لكثرة الصحف المنشورة .

والكشط : إزالة الإهاب عن الحيوان الميّت وهو أعم من السلخ لأن السلخ لا يقال إلا في إزالة إهاب البقر والغنم دون إزالة إهاب الإِبل فإنه كشط ولا يقال : سلخ ، والظاهر أن المراد إزالة تقع في يوم القيامة لأنها ذكرت في أثناء أحداث يوم القيامة بعد قوله : { وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت } وقوله : { وإذا الصحف نشرت } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ} (10)

قوله تعالى : " وإذا الصحف نشرت " أي فتحت بعد أن كانت مطوية ، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر ، تطوي بالموت ، وتنشر في يوم القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته ، فيعلم ما فيها ، فيقول : " مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " [ الكهف : 49 ] . وروى مرثد بن وداعة قال : إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش ، فتقع صحيفة المؤمن في يده " في جنة عالية " [ الحاقة : 22 ] إلى قوله : " الأيام الخالية " [ الحاقة : 24 ] وتقع صحيفة الكافر في يده " في سموم وحميم " إلى قوله " ولا كريم " [ الواقعة : 42 ] . وروي عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة ) فقلت : يا رسول الله فكيف بالنساء ؟ قال : ( شغل الناس يا أم سلمة ) . قلت : وما شغلهم ؟ قال : ( نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل ) . وقد مضى في سورة " الإسراء " قول أبي الثوار العدوي : هما نشرتان وطَيَّة ، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت ، فإذا مت طويت ، حتى إذا بعثت نشرت " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " [ الإسراء : 14 ] . وقال مقاتل : إذا مات المرء طويت صحيفة عمله ، فإذا كان يوم القيامة نشرت . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم . وقرأ نافع وابن عام وعاصم وأبو عمرو " نشرت " مخففة ، على نشرت مرة واحدة ، لقيام الحجة . الباقون بالتشديد على تكرار النشر ، للمبالغة في تقريع العاصي ، وتبشير المطيع . وقيل : لتكرار ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه .