التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ} (62)

عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم ، لأنّ ما حكي هنا حال من أحوال جميعهم .

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ، لإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنّ المنافقين يحلفون الأيمَان الكاذبة ، فلا تغرّهم أيمانهم ، فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبي .

والمراد : الحلف الكاذب ، بقرينة قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ، أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها ، على أنّه قد عُلِم أنّ أيمانهم كاذبة ممّا تقدّم في قوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } [ التوبة : 42 ] .

فكاف الخطاب للمسلمين ، وذلك يدلّ على أنّ المنافقين يحلفون على التبرّئي ، ممّا يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك يغيظ المسلمين وينكرهم عليهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يغضي عن ذلك ، فلذلك قال الله تعالى : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } أي أحقّ منكم بأن يرضوهما ، وسيأتي تعليل أحقّيّة الله ورسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها فإرضاء الله بالإيمان به وبرسوله وتعظيمِ رسوله ، وإرضاءُ الرسول بتصديقه ومحبّته وإكرامه .

وإنّما أفرد الضمير في قوله : { أن يرضوه } مع أنّ المعاد اثنان لأنّه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين ، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير : واللَّهُ أحقّ أن يرضوه ورسولُه كذلك ، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس وحذفُ الخبر إيجاز . ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين ، ومنه قول ضابىء بن الحارث :

ومَن يك أمسَى بالمدينة رَحْلُه *** فإنِّي وقيَّارٌ بهَا لَغَرِيب

التقدير : فإنّي لغريبٌ وقيارٌ بها غَريب أيضاً . لأنّ إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما .

والضمير المنصوب في { يرضوه } عائد إلى اسم الجلالة ، لأنّه الأهمّ في الخبر ، ولذلك ابتدىء به ، ألا ترى أنّ بيت ضابىء قد جاء في خبره المذكور لام الابتداء الذي هو من علائق ( إنّ ) الكائنة في الجملة الأولى ، دون الجملة الثانية ، وهذا الاستعمال هو الغالب .

وشرط { إن كانوا مؤمنين } ، مستعمل للحثّ والتوقّع لإيمانهم ، لأنّ ما حكي عنهم من الأحوال لا يبقى معه احتمال في إيمانهم ، فاستعمل الشرط للتّوقع وللحثّ على الإيمان . وفيه أيضاً تسجيل عليهم ، إن أعادوا مثل صنيعهم ، بأنّهم كافرون باللَّه ورسوله ، وفيه تعليم للمؤمنين وتحذير من غضب الله ورسوله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ} (62)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا ، فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت ، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه فتكلموا وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير . فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم شر من الحمير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب . فأنزل الله هذه الآية وفيها " يحلفون بالله لكم ليرضوكم " .

الثانية - قوله تعالى : " والله ورسوله أحق أن يرضوه " ابتداء وخبر . ومذهب سيبويه أن التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ، ثم حذف ، كما قال بعضهم{[8126]} : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال محمد بن يزيد : ليس في الكلام محذوف ، والتقدير ، والله أحق أن يرضوه ورسوله ، على التقديم والتأخير . وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه ، والله افتتاح كلام ، كما تقول : ما شاء الله وشئت . قال النحاس : قول سيبويه أولاها ؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال : ما شاء الله وشئت ، ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير ، ومعناه صحيح .

قلت : وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ، ألا ترى أنه قال : " من يطع الرسول فقد أطاع{[8127]} الله " [ النساء 80 ] . وكان الربيع بن خثيم إذا مر بهذه الآية وقف ، ثم يقول : حرف وأيما حرف فُوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير .

الثالثة - قال علماؤنا : تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا . واليمين حق للمدعي . وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ما تقدم{[8128]} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق ) . وقد مضى القول في الأيمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة{[8129]} .


[8126]:من ج.
[8127]:راجع ج 5 ص 288.
[8128]:من هـ.
[8129]:راجع ج 6 ص 264.