التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ} (63)

هذه الجملة تتنزل من جملة { والله ورسوله أحق أن يرضوه } [ التوبة : 62 ] منزلة التعليل ، لأنّ العاقل لا يرضى لنفسه عملاً يَؤول به إلى مثل هذا العذاب ، فلا يُقدم على ذلك إلاّ مَن لاَ يعلم أنّ من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا المصير السيىءّ .

والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع ، لأنّ عدم علمهم بذلك محقّق بِضرورة أنّهم كافرون بالرسول ، وبأنّ رضى الله عند رضاه ولكن لمّا كان عدم علمهم بذلك غريباً لوجود الدلائل المقتضية أنّه ممّا يحقّ أن يعلموه ، كان حال عدم العلم به حالاً منكراً . وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهمّ ، كقوله في هذه السورة : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [ التوبة : 104 ] وقوله : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } [ التوبة : 78 ] وقول مَوْيَال بن جهم المذحجي ، أو مبشر بن هذيل الفزاري :

ألَمْ تعلَمي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنّني *** كريمٌ على حينَ الكرامُ قليل

فكأنّه قيل : فلْيعلموا أنّه من يُحادد الله الخ .

والضمير المنصوب ب { أنّه } ضمير الشأن ، وفسّر الضمير بجملة { من يحادد الله } إلى آخرها .

والمعنى : ألم يعلموا شأناً عظيماً هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنّم .

وفكّ الدَّالان من { يحادد } ولم يُدغما لأنّه وقع مجزوماً فجاز فيه الفَكّ والإدغام ، والفكّ أشهر وأكثر في القرآن ، وهو لغة أهل الحجاز ، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله : { ومن يشاق الله } في سورة الحشر ( 4 ) في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم .

والمحادَّة : المُعاداة والمخالفة .

والفاء في { فأن له نار جهنم } لربط جواب شرط { مَن } .

وأعيدت { أنَّ } في الجواب لتوكيد { أنَّ } المذكورة قبلَ الشرط توكيداً لفظياً ، فإنّها لما دخلت على ضمير الشأن وكانت جملة الشرط وجوابه تفسيراً لضمير الشأن ، كان حكم { أنَّ } سارياً في الجملتين بحيث لو لم تذكر في الجواب لعُلِم أنّ فيه معناها ، فلمّا ذكرت كان ذكرها توكيداً لها ، ولا ضيرَ في الفصل بين التأكيد والمؤكَّد بجملة الشرط ، والفصل بين فاء الجواب ومدخولها بحرفٍ ، إذ لا مانع من ذلك ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : { ثم إن ربك للذين عملوا السوءَ بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ النحل : 119 ] وقول الحماسي ، وهو أحد الأعراب :

وإنَّ امرءاً دامت مواثيق عهده *** على مثل هذا إنَّه لكريم

و { جهنّم } تقدّم ذكرها عند قوله تعالى : { فحسبه جهنم وبئس المهاد } في سورة البقرة ( 206 ) .

والإشارة بذلك إلى المذكور من العذاب أو إلى ضمير الشأن باعتبار تفسيره . والمقصود من الإشارة : تمييزه ليتقرّر معناه في ذهن السامع .

و{ الخزي } الذلّ والهوان ، وتقدّم عند قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } في سورة البقرة ( 85 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ} (63)

قوله تعالى : " ألم يعلموا " يعني المنافقين . وقرأ ابن هرمز والحسن " تعلموا " بالتاء على الخطاب . " أنه " في موضع نصب ب " يعلموا " ، والهاء كناية عن الحديث . " من يحادد الله " في موضع رفع بالابتداء . والمحادة : وقوع هذا في حد وذاك في حد ، كالمشاقة . يقال : حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده . " فأن له نار جهنم " يقال : ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ ، فكان يجب أن يكون " فإن " بكسر الهمزة . وقد أجاز الخليل وسيبويه " فإن له نار جهنم " بالكسر . قال سيبويه : وهو جيد وأنشد :

وعلمي بأسْدَامِ المياه فلم تزل*** قلائصُ تَخْدِي في طريقٍ طلائحُ

وأني إذا ملت ركابي مناخَها*** فإني على حظِّي من الأمر جامحُ{[8130]}

إلا أن قراءة العامة " فأن " بفتح الهمزة . فقال الخليل أيضا وسيبويه : إن " أن " الثانية مبدلة من الأولى . وزعم المبرد أن هذا القول مردود ، وأن الصحيح ما قاله الجرمي ، قال : إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام ، ونظيره " وهم في الآخرة هم الأخسرون{[8131]} " [ النمل : 5 ] . وكذا " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها{[8132]} " [ الحشر : 17 ] . وقال الأخفش : المعنى فوجوب النار له . وأنكره المبرد وقال : هذا خطأ من أجل إن " أن " المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر . وقال علي بن سليمان : المعنى فالواجب أن له نار جهنم ، فإن الثانية خبر ابتداء محذوف . وقيل : التقدير فله أن له نار جهنم . فإن مرفوعة بالاستقرار عاف إضمار المجرور بين الفاء وأن .


[8130]:البيتان لابن مقبل: والشاهد فيهما كسر "إن" الثانية. والأسدام: المياه المتغيرة لقلة الوارد، واحدها سدم. وتخدي: تسرع والطلائح: المعيبة لطول السفر. ومعنى "ملت ركابي مناخها" توالى سفرها وإناخها فيه وارتحالها. والجامح : الماضي على وجهه. أي لا يكسرني طول السفر ولكني أمضي قدما لما أرجوه من الحظ في أمري. (عن شرح الشواهد) .
[8131]:راجع ج 13 ص 154 فما بعد.
[8132]:راجع ج 18 ص 37.