التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ} (210)

عطف على جملة : { وإنه لتنزيل ربّ العالمين } [ الشعراء : 192 ] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذُ بعضها بحُجز بعض تفنناً في الغرض . وهذا رد على قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال تعالى : { فذكّر فما أنت بنعمت ربّك بكاهن ولا مجنون } [ الطور : 29 ] ، وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان ؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأةُ أبي لهب لما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لِمرض : أرجو أن يكون شيطانك قد تركك . ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : نقول : كلامه كلام كاهن ، فقال : والله ما هو بزمزمته . وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة . نُفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل ، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثلَ هذا القرآن . فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم ، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسَّعها الناقلون .

فالتعريف في { السمع } للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق السمع ، أي تتحيّل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى . ذلك أن الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدّر في الملأ الأعلى مما سيظهر حدوثه في العالم الأرضي ، فلذلك نُفي هنا تنزُّلُ الشياطين بكلام القرآن بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون . وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ} (210)

192

ثم يبدأ معهم جولة جديدة عن القرآن الكريم :

( وما تنزلت به الشياطين . وما ينبغي لهم وما يستطيعون . إنهم عن السمع لمعزولون ) . .

لقد قرر في الجولة الماضية أنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ؛ واستطرد مع تكذيبهم به ، واستعجالهم ما يتوعدهم من عذاب فيه . . وها هو ذا ينفي دعواهم أنه من وحي الشياطين على طريقة الكهان ، الذين كانوا يزعمون أن الشياطين تأتيهم بخبر الغيب ، وبالسمع الذي يتكهنون فيه بالأخبار .

وما يليق هذا القرآن بالشياطين . وهو يدعو إلى الهدى والصلاح والإيمان . والشياطين تدعو إلى الضلال والفساد والكفر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ} (210)

قوله تعالى : " وما تنزلت به الشياطين " يعني القرآن بل ينزل به الروح الأمين .

وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع : " وما تنزلت به الشياطون " قال المهدوي : وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط . وقال النحاس : وهذا غلط عند جميع النحويين ، وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : هذا غلط عند العلماء ، إنما يكون بدخول شبهة ؛ لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط ، وفي الحديث : " احذروا زلة العالم " وقد قرأ هو مع الناس : " وإذا خلوا إلى شياطينهم " [ البقرة : 14 ] ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة . وقال الثعلبي : قال الفراء : غلط الشيخ - يعني الحسن - فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال : إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما ، جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه . مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئا . وقال المؤرج : إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه . وقال يونس بن حبيب : سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون ، فقلت : ما أشبه هذا بقراءة الحسن .