التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ} (32)

جملة { هذا ما توعدون } معترضة ، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها متصلاً بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما { للمتقين } و { لكل أواب } ، وتجعل { لكل أواب } بدلاً من { للمتقين } ، وتكرير الحرف الذي جُرّ به المبدَل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى : { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا } [ سبأ : 32 ] لمن آمن منهم الآية وقوله : { ولأبَوَيْه لكلّ واحد منهما السدس } [ النساء : 11 ] . واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما هو مشاهد عندهم من الخيرات .

والأوّاب : الكثير الأوب ، أي الرجوع إلى الله ، أي إلى امتثال أمره ونهيه .

والحفيظ : الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده . والمعنى : أنه محافظ على الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ} (32)

16

( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ . من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ) . . فيوصفون هذه الصفة من الملأ الأعلى ، ويعلمون أنهم في ميزان الله أوابون ، حفيظون ، يخشون الرحمن ولم يشهدوه ، منيبون إلى ربهم طائعون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ} (32)

" هذا ما توعدون " أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل . وقراءة العامة " توعدون " بالتاء على الخطاب . وقرأ ابن كثير بالياء على الخبر ؛ لأنه أتى بعد ذكر المتقين . " لكل أواب حفيظ " أواب أي رجاع إلى الله عن المعاصي ، ثم يرجع يذنب ثم يرجع هكذا قاله الضحاك وغيره . وقال ابن عباس وعطاء : الأواب المسبح من قوله : " يا جبال أوبي معه{[14180]} " [ سبأ : 10 ] . وقال الحكم بن عتيبة : هو الذاكر لله تعالى في الخلوة . وقال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها . وهو قول ابن مسعود . وقال عبيد بن عمير : هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى فيه . وعنه قال : كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال سبحان الله وبحمده ، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا . وفي الحديث : ( من قال إذا قام من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس ) . وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول . وقال بعض العلماء : أنا أحب أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة ، ولا أحب أن أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته .

قلت : هذا استحسان ، واتباع الحديث أولى . وقال أبو بكر الوراق : هو المتوكل على الله في السراء والضراء . وقال القاسم : هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل .

" حفيظ " قال ابن عباس : هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها . وقال قتادة : حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته وائتمنه عليه . وعن ابن عباس أيضا : هو الحافظ لأمر الله . مجاهد : هو الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه بالشكر . قال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول . وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوابا حفيظا ) ذكره الماوردي .


[14180]:راجع جـ 14 ص 264.