التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ} (21)

عُطِفت جملة { جاءت كل نفس } على جملة { نُفخ في الصور } . والمراد ب { كل نفس } كل نفس من المتحدث عنهم وهم المشركون ، ويدل عليه أمور :

أحدهما : السياق .

والثاني : قوله { معها سائق } لأن السائق يناسب إزجاء أهل الجرائم ، وأما المهديون إلى الكرامة فإنما يهديهم قائد يسير أمامهم قال تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت } [ الأنفال : 6 ] .

والثالث : قوله بعده { لقد كنت في غفلة من هذا } [ ق : 22 ] .

والرابع : قوله بعده { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } [ ق : 23 ] الآية .

وجملة { معها سائق وشهيد } بدل اشتمال من جملة { جاءت كل نفس } . و { سائق } مرفوع بالظرف الذي هو { معها } على رأي من أجازه ، أو مبتدأ خبره { معها } . ويجوز أن يكون جملة { معها سائق وشهيد } حَالا من { كلُّ نفس } . وعطف { وشهيد } على { سائق } يجوز أن يكون من عطف ذات على ذات فيكون المراد ملكان أحدهما يسوق النفس إلى المحشر والآخر يشهد عليها بما حوته صحائف أعمالها . ويجوز أن يكون من عطف الصفات مثل :

إلى الملك القرم وابن الهمام

فهو ملك واحد .

والسائق الذي يجعل غيره أمَامه يزجيه في السير ليكون بمرأى منه كيلا ينفلت وذلك من شأن المشي به إلى ما يسوء قال تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت } [ الأنفال : 6 ] وقال : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } [ الزمر : 71 ] ، وأما قوله : { وسيق الذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا } [ الزمر : 73 ] فمشاكلة . وضِد السوق : القَودْ .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ} (21)

16

( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) . . جاءت كل نفس . فالنفس هنا هي التي تحاسب ، وهي التي تتلقى الجزاء . ومعها سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها . قد يكونان هما الكاتبان الحافظان لها في الدنيا . وقد يكونان غيرهما . والأول أرجح . وهو مشهد أشبه شيء بالسوق للمحاكمة . ولكن بين يدي الجبار .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ} (21)

قوله تعالى : " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " اختلف في السائق والشهيد ، فقال ابن عباس : السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل ، رواه العوفي عن ابن عباس . وقال أبو هريرة : السائق الملك والشهيد العمل . وقال الحسن وقتادة : المعنى سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها . وقال ابن مسلم : السائق قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها . وقال مجاهد : السائق والشهيد ملكان . وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر : " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " سائق : ملك يسوقها إلى أمر الله ، وشهيد : يشهد عليها بعملها .

قلت : هذا أصح فإن في حديث جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا اله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتبه شقيا أو سعيدا ، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته ، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك{[14168]} الملكان ، ثم جاء ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه ، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ثم يرتفع ملك الموت ، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا{[14169]} كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ، ثم قال الله تعالى " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتركبن طبقا عن طبق قال : ( حالا بعد حال ) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم ) خرجه أبو نعيم الحافظ من حديث جعفر بن محمد بن علي عن جابر وقال فيه : هذا حديث غريب من حديث جعفر ، وحديث جابر تفرد به عنه جابر الجعفي وعنه المفضل . ثم في الآية قولان : أحدهما : أنها عامة في المسلم والكافر وهو قول الجمهور . الثاني : أنها خاصة في الكافر ، قاله الضحاك .


[14168]:كذا في جميع الأصول والدر المنثور، والظاهر أن يكون "ذانك".
[14169]:أنشط الكتاب: حل عقدته.