التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} (10)

وقوله : { والسابقون } هذا الصنفُ الثالث في العدّ وهم الصنف الأفضل من الأصناف الثلاثة ، ووصفُهم بالسبق يقتضي أنهم سابقون أمثالهم من المحسنين الذين عبر عنهم بأصحاب الميمنة فهم سابقون إلى الخير ، فالناس لا يتسابقون إلا لنوال نفيس مرغوب لكل الناس ، وأما الشر والضرّ فهم يتكعكون عنه .

وحقيقة السبق : وصول أحد مكاناً قبل وصول أحد آخر . وهو هنا مستعمل على سبيل الاستعارة ، وقد جمع المعنيين قول النابغة :

سَبقتَ الرجال الباهشين إلى العُلا *** كسبق الجواد اصطاد قبل الظوارد

فيجوز أن يكون { السابقون } مستعملاً في المبادرة والإسراع إلى الخير في الدين كما في قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } في سورة براءة ( 100 ) .

ويجوز أن يكون مستعملاً في المغالبة في تحصيل الخير كقوله تعالى : { أولئك يسارعون في الخيران وهم لها سابقون } في سورة المؤمنين ( 61 ) .

وقوله : { السابقون } ثانياً يجوز جعله خبراً عن { السابقون } الأول كما أُخبر عن أصحاب الميمنة بأنهم { ما أصحاب الميمنة } لأنه يدل على وصفهم بشيء لا يكتنه كنهه بحيث لا يفي به التعبير بعبارة غير تلك الصفة إذ هي أقصى ما يسعه التعبير ، فإذا أراد السامع أن يتصور صفاتهم فعليه أن يتدبر حالهم ، وهذا على طريقه قوله : { أولئك هم المفلحون } [ الأعراف : 157 ] . ويجوز جعله تأكيداً للأول فمآل جملة { ما أصحاب الميمنة } ونظيرتها وجملة { والسابقون السابقون } هو التعجيب من حالهم وطريقُه هو الكناية ولكنّ بين الكنايتين فرقاً بأن إحداهما كانت من طريق السؤال عن الوصف ، والأخرى من طريق تعذر التعبير بغير ذلك الوصف .

والمعنى : أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبراً يُخبر به عنهم أدلّ على مرتبتهم مِن اسم { السابقون } فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإِخبار ب { ما } الاستفهامية التعجيبية في قوله : { ماأصحاب الميمنة } ، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني :

وإني من القوم الذين هُمُو هُمُو *** إذا مات منهم سيد قام صاحبه

مع ما في اشتقاق لقبهم من « السبق » من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون .

وحذف متعلق { السابقون } في الآية لقصد جعل وصف { السابقون } بمنزلة اللقب لهم ، وليفيد العموم ، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه النفوس الزكية كقوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } [ المطففين : 26 ] ، فهؤلاء هم السابقون إلى الإِيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم ، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم ، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية وليس صنفاً قد انقضى وسبقَ الأمةَ المحمدية . وأُخِّر { السابقون } في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ترغيباً في الاقتداء .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} (10)

ثم يذكر الفريق الثالث ، فريق السابقين ، يذكرهم فيصفهم بوصفهم : ( والسابقون السابقون ) . . كأنما ليقول إنهم هم هم . وكفى . فهو مقام لا يزيده الوصف شيئا !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} (10)

قوله تعالى : " والسابقون السابقون " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ) ذكره المهدوي . وقال محمد بن كعب القرظي : إنهم الأنبياء . الحسن وقتادة : السابقون إلى الإيمان من كل أمة . ونحوه عن عكرمة . محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، دليله قوله تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار{[14622]} " [ التوبة : 100 ] . وقال مجاهد وغيره : هم السابقون إلى الجهاد ، وأول الناس رواحا إلى الصلاة . وقال علي رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات الخمس . الضحاك : إلى الجهاد . سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البر ، قال الله تعالى : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم{[14623]} " [ آل عمران : 133 ] ثم أثنى عليهم فقال : " أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون{[14624]} " [ المؤمنون : 61 ] . وقيل : إنهم أربعة ، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية ، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله ابن عباس ، حكاه الماوردي . وقال شميط بن العجلان : الناس ثلاثة ، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا هو السابق المقرب ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال . وقيل : هم كل من سبق إلى شيء من أشياء الصلاح . ثم قيل : " السابقون " رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبرة " أولئك المقربون " وقال الزجاج : " السابقون " رفع بالابتداء والثاني خبره ، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله


[14622]:راجع جـ 8 ص 235.
[14623]:راجع جـ 4 ص 203.
[14624]:راجع جـ 12 ص 133.