التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} (37)

وموقع قوله : { عن اليمين وعن الشمال } مثل موقع { قبلك } وموقع { مهطعين . } والمقصود : كثرة الجهات ، أي واردين إليك .

والتعريف في { اليمين } و { الشمال } تعريف الجنس أو الألف واللام عوض عن المضاف إليه .

والمقصود من ذكر اليمين والشمال : الإِحاطة بالجهات فاكتفي بذكر اليمين والشمال ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب حلولهما ، ومثله قول قَطَريّ بن الفُجَاءَةِ :

فلقد أراني للرماح دَريئَةً *** مِن عَنْ يميني مَرّة وأَمامي

يريد : من كل جهة .

و { عزِين } حال من { الذين كفروا } . و { عزين } : جمع عِزَة بتخفيف الزاي ، وهي الفِرقة من النّاس ، اسم بوزن فِعْلَة . وأصله عِزوة بوزن كِسوة ، وليست بوزن عِدَة . وجرى جمع عِزة على الإِلحاق بجمع المذكر السالم على غير قياس وهو من باب سَنَة من كل اسم ثلاثي حذفت لاَمه وعُوض عنها هاء التأنيث ولم يكسّر مثل عِضَة ( للقطعة ) .

وهذا التركيب في قوله تعالى : { فما للذين كفروا قِبَلك مهطعين } إلى قوله { جنة نعيم } يجوز أن يكون استعارة تمثيلية شبه حالهم في إسراعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال من يُظن بهم الاجتماع لطلب الهدى والتحصيل على المغفرة ليدخلوا الجنة لأن الشأن أن لا يلتف حول النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ طالبوا الاهتداء بهديه .

والاستفهام على هذا مستعمل في أصل معناه لأن التمثيلية تجري في مجموع الكلام مع بقاء كلماته على حقائقها .

ويجوز أن يكون الكلام استفهاماً مستعملاً في التعجيب من حال إسراعهم ثم تكذيبهم واستهزائهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} (37)

ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الدعوة في مكة ، والمشركون يسرعون الخطى إلى المكان الذي يكون فيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يتلو القرآن . ثم يتفرقون حواليه جماعات . ويستنكر إسراعهم هذا وتجمعهم في غير ما رغبة في الاهتداء بما يسمعون :

فما للذين كفروا قبلك مهطعين ? عن اليمين وعن الشمال عزين ? . .

المهطع هو الذي يسرع الخطى مادا عنقه كالمقود . وعزين جمع عزة كفئة وزنا ومعنى . . وفي التعبير تهكم خفي بحركتهم المريبة . وتصوير لهذه الحركة وللهيئة التي تتم بها . وتعجب منهم . وتساؤل عن هذا الحال منهم ! وهم لا يسرعون الخطى تجاه الرسول ليسمعوا ويهتدوا ، ولكن فقط ليستطلعوا في دهشة ثم يتفرقوا كي يتحلقوا حلقات يتناجون في الكيد والرد على ما يسمعون !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} (37)

" عن اليمين وعن الشمال عزين " أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حِلَقًا حِلَقًا وجماعات . والعزين : جماعات في تفرقة ، قاله أبو عبيدة . ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرآهم حلقا فقال : ( مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها - قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف ) خرجه مسلم وغيره . وقال الشاعر :

تَرَانا عندَه والليلُ دَاجٍ *** على أبوابه حِلَقًا عِزينا

أي متفرقين . وقال الراعي :

أخليفة الرحمن إن عشيرتي *** أمسى سَرَاتُهُم إليك عِزينا

أي متفرقين . وقال آخر :

كأن الجماجم من وقعها *** خَنَاطِيل{[15367]} يهوين شتَّى عِزينا

أي متفرقين . وقال آخر :

فلما أن أتين على أُضاخٍ *** ضَرَحْنَ حَصَاهُ أشتاتا عِزينا{[15368]}

وقال الكميت :

ونحن وجندلٌ باغٍ تَرَكْنَا *** كتائبَ جندلٍ شتَّى عِزينا

وقال عنترة :

وقِرْنٍ قد تركتُ لذي وَلِيٍّ *** عليه الطيرُ كالعصبِ العِزِين

وواحد عزين عزة ، جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها . وأصلها عزهة ، فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها سنهة . وقيل : أصلها عِزوة ، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره . فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى ، والمحذوف منها الواو . وفي الصحاح : " والعزة الفرقة من الناس ، والهاء عوض من الياء ، والجمع عزى - على فعل - وعِزون وعُزون أيضا بالضم ، ولم يقولوا عِزات كما قالوا ثبات " . قال الأصمعي : يقال في الدار عزون ، أي أصناف من الناس . و " عن اليمين وعن الشمال " متعلق " بمهطعين " ويجوز أن يتعلق " بعزين " على حد قولك : أخذته عن زيد .


[15367]:الخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش والطير في تفرقة.
[15368]:أضاخ (بالضم): جبل يذكر ويؤنث. وقيل: هو موضع بالبادية يصرف ولا يصرف. ومعنى "ضرحن" نحين ودفعن.