{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } أي أعطيناه نعمة من صحة . وأمن ، وجدة ، وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها فالاذاقة مجاز عن هذا الإعطاء { ثُمَّ } أي سلبنا تلك الرحمة { الكتاب مِنْهُ } صلة النزع ، والتعبير به للاشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليه { أَنَّهُ } شديد اليأس كثيره قطوع رجاءه من عود مثل تلك النعمة عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لعدم صبره وتوكله عليه سبحانه وثقته به .
{ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } كثير الكفران لما سلف لله تعالى عليه من النعم ، وتأخير هذا الوصف عن وصف يأسهم لرعاية الفواصل على أن اليأس من باب الكفران للنعمة السالفة أيضاً .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } [ هود : 9 ] الخ تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء والضراء واثقاً بربه تعالى متوكلاً عليه غير محتجب عنه برؤية الأسباب لئلا يحصل له اليأس والكفران والبطر والفخر بذلك وجوداً وعدماً ، فإن آتاه رحمة شكره أولاً : برؤية ذلك منه جل شأنه بقلبه .
وثانياً : باستعمال جوارحه في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها ، وثالثاً : بإطلاق لسانه بالحمد والثناء على الله تعالى وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله تعالى : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] وإلى ذلك أشار من قال :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا
وبالشكر تزداد النعم كما قال تعالى : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر ، ثم إن نزعها منه فليصبر ولايتهم الله تعالى بشيء فإنه تعالى أبر بالعبد وأرحم وأخبر بمصلحته وأعلم ، ثم إذا أعادها عليه لا ينبغي أن يبطر ويغتر ويفتخر بها على الناس فإن الاغترار والافتخار بما لا يملكه من الجهل بمكان ، وقد أفاد سبحانه أن من سجايا الإنسان في الشدة بعد الرحمة اليأس والكفران وبالنعماء بعد الضراء الفرح والفخر
{ 9 - 10 } { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }
يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان ، أنه جاهل ظالم بأن الله إذا أذاقه منه رحمة كالصحة والرزق ، والأولاد ، ونحو ذلك ، ثم نزعها منه ، فإنه يستسلم لليأس ، وينقاد للقنوط ، فلا يرجو ثواب الله ، ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها ، أو خيرا منها عليه .
ثم بين - سبحانه - جانبا من طبيعة بنى آدم إلا من عصم الله فقال - تعالى - { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ . . . }
والمراد بالإِنسان هنا الجنس على أرجح الأقوال ، فيشمل المسلم وغيره ، بدليل الاستثناء الآتى بعد ذلك فى قوله { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات }
قال الفخر الرازى ما ملخصه : المراد بالإِنسان هنا مطلق الإِنسان يدل عليه وجوه :
الأول : أنه - تعالى - استثنى منه قوله { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والاسثتناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإِنسان المذكور فى هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر .
الثانى : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله - سبحانه - : { والعصر . إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . } الثالث : أن مزاج الإِنسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج فى تفسير هذه الآية : " يا بن آدم إذا نزلت بك نعمة من الله فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤوس قنوط " .
وقيل المراد بالإنسان هنا جنس الكفار فقط ، لأن هذه الأوصاف تناسبهم وحدهم .
والمراد بالرحمة هنا : رحمة الدنيا ، وأطلقت على أثرها وهو النعمة كالصحة والغنى والأمان وما يشبه ذلك من ألوان النعم .
واليؤوس والكفور : صيغتا مبالغة للشخص الكثير اليأس ، والكفر ، والقنوط : الشديد الجحود لنعم الله - تعالى - يقال : يئس من الشئ ييأس ، إذا قنط منه .
والمعنى : ولئن منحنا الإِنسان - بفضلنا وكرمنا - بعض نعمنا ، كالصحة والغنى والسلطان والأمان { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } أى : ثم سلبناها منه ، لأن حكمتنا تقتضى ذلك .
{ إنه } فى هذه الحالة { لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } أى : لشديد اليأس والقنومن من أن يرجع إليه ما سلب منه أو مثله ، ولكثير الكفران والجحود لما سبق أن تقلب فيه من نعم ومنن .
قال الشوكانى : وفى التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها عليه : " لأن الإِذاعة والذوق أقل ما يوجد به الطعم " .
وفى قوله : " ثم نزعناها منه " إشارة إلى شدة تعلقه بهذه النعم ، وحرصه على بقائها معه .
وجملة { إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } جواب القسم ، وأكدت بإن وباللام ، لقصد تحقيق مضمونها ، وأنه حقيقة ثابتة .
وهى تصوير بليغ صادق لما يعترى نفس هذا الإِنسان عندما تسلب منه النعمة بعد أن ذاقها - فهو - لقلة إيمانه وضعف ثقته بربه - قد فقد كل أمل فى عودة هذه النعمة إليه ، ولكأن هذه النعمة التى سلبت منه لم يرها قبل ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.