{ وَمَا جَعَلَهُ الله } كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه ، والجعل متعد إلى واحد وهو الضمير العائد إلى المصدر المنسبك في { أَنّي مُمِدُّكُمْ } [ الأنفال : 9 ] على قراءة الفتح والمصدر المفهوم من ذلك على الكسر ، واعتبار القول ورجوع الضمير إليه ليس بمعتبر من القول ، أي وما جعل إمدادكم بهم لشيء من الأشياء { إِلاَّ بشرى } أي بشارة لكم بأنكم تنصرون { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ } أي بالإمداد { *قُلُوبكُُمْ } وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة ونصب { الرياح بُشْرىً } على أنه مفعول له ولتطمئن معطوف عليه ، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب ، وقيل : للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما قيل في قوله سبحانه : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] .
وقيل : إن الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما { بُشْرىً } على أنه استثناء من أعم المفاعيل ، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارة لكم ولتطمئن به قلوبكم فعل ما فعل لا لشيء آخر والأول هو الظاهر ، وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب لبعضهم ، ويشعر ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد وفي الإخبار ما يؤيده ، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة بأوا الملائكة عليهم السلام .
وروي عن أبي أسيد وكان قد شهد بدراً أنه قال بعد ما ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أي وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا كائن من عنده عز وجل ، فالمنصور هو من نصره الله سبحانه والأسباب ليست بمستقلة ، أو المعنى لا تحسبوا النصر من الملائكة عليهم السلام فإن الناصر هو الله تعالى لكم وللملائكة ، وعليه فلا دخل للملائكة في النصر أصلاً ، وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي وعلى الثاني قلبي { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يغالب في حكمه ولا ينازع في قضيته { حَكِيمٌ } يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة الباهرة ، والجملة تعليل لما قبلها وفيها إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا جَعَلَهُ الله } [ آل عمران : 124 ، 125 ] أي ما جعل الله تعالى الإمداد { إِلاَّ بشرى } أي بشارة لكم بالنصر { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } لما فيها من اتصالها بما يناسبها { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } والأسباب في الحقيقة ملغاة { أَنَّ الله عَزِيزٌ } قوي على النصر من غير سبب
{ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] يفعله على مقتضى الحكمة وقد اقتضت فعله على الوجه المذكور
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ أي : إنزال الملائكة إِلا بُشْرَى أي : لتستبشر بذلك نفوسكم ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وإلا فالنصر بيد اللّه ، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ . . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغالبه مغالب ، بل هو القهار ، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا . حَكِيمٌ حيث قدر الأمور بأسبابها ، ووضع الأشياء مواضعها .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم في هذا الإِمداد فقال : { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه - سبحانه - لبيان عبض مضاهر فضله على المؤمنين ، ولبيان أن المؤثر الحقيق هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به ، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه .
أى : وما جعل الله - تعالى - هذا الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم - أيها المؤمنون - بالنصر على أعدائكم في هذه الغزوة الحاسمة وقوله { بشرى } مفعول لأجله مستثنى عن أعم العلل .
وقوله : { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } معطوف عليه : أى : ولتسكن بهذا الإِمداد قلوبكم ، ويزول عنكم الخوف ، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها الإِحجام أو التردد . . .
وقوله : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أى : ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائن من عند الله وحده ، لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شئ ، والاقدر على كل شئ .
وإن الوسائل مهما عظمت ، والأسباب مهما كثرت ، ولا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة ، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته .
وقوله : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى : غالب لا يقهره شئ ، ولا ينازعه منازع حكيم في تدبيره وأفعاله .
فالجملة الكريمة بتذييل قصد به التعليل لما قبله ، وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة - سبحانه - .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.