أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (10)

{ وما جعله الله } أي الإمداد { إلا بشرى } إلا بشارة لكم بالنصر . { ولتطمئن به قلوبكم } فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم . { وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (10)

{ وَمَا جَعَلَهُ الله } كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه ، والجعل متعد إلى واحد وهو الضمير العائد إلى المصدر المنسبك في { أَنّي مُمِدُّكُمْ } [ الأنفال : 9 ] على قراءة الفتح والمصدر المفهوم من ذلك على الكسر ، واعتبار القول ورجوع الضمير إليه ليس بمعتبر من القول ، أي وما جعل إمدادكم بهم لشيء من الأشياء { إِلاَّ بشرى } أي بشارة لكم بأنكم تنصرون { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ } أي بالإمداد { *قُلُوبكُُمْ } وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة ونصب { الرياح بُشْرىً } على أنه مفعول له ولتطمئن معطوف عليه ، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب ، وقيل : للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما قيل في قوله سبحانه : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] .

وقيل : إن الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما { بُشْرىً } على أنه استثناء من أعم المفاعيل ، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارة لكم ولتطمئن به قلوبكم فعل ما فعل لا لشيء آخر والأول هو الظاهر ، وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب لبعضهم ، ويشعر ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد وفي الإخبار ما يؤيده ، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة بأوا الملائكة عليهم السلام .

وروي عن أبي أسيد وكان قد شهد بدراً أنه قال بعد ما ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أي وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا كائن من عنده عز وجل ، فالمنصور هو من نصره الله سبحانه والأسباب ليست بمستقلة ، أو المعنى لا تحسبوا النصر من الملائكة عليهم السلام فإن الناصر هو الله تعالى لكم وللملائكة ، وعليه فلا دخل للملائكة في النصر أصلاً ، وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي وعلى الثاني قلبي { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يغالب في حكمه ولا ينازع في قضيته { حَكِيمٌ } يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة الباهرة ، والجملة تعليل لما قبلها وفيها إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا جَعَلَهُ الله } [ آل عمران : 124 ، 125 ] أي ما جعل الله تعالى الإمداد { إِلاَّ بشرى } أي بشارة لكم بالنصر { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } لما فيها من اتصالها بما يناسبها { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } والأسباب في الحقيقة ملغاة { أَنَّ الله عَزِيزٌ } قوي على النصر من غير سبب

{ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] يفعله على مقتضى الحكمة وقد اقتضت فعله على الوجه المذكور

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (10)

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم في هذا الإِمداد فقال : { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه - سبحانه - لبيان عبض مضاهر فضله على المؤمنين ، ولبيان أن المؤثر الحقيق هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به ، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه .

أى : وما جعل الله - تعالى - هذا الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم - أيها المؤمنون - بالنصر على أعدائكم في هذه الغزوة الحاسمة وقوله { بشرى } مفعول لأجله مستثنى عن أعم العلل .

وقوله : { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } معطوف عليه : أى : ولتسكن بهذا الإِمداد قلوبكم ، ويزول عنكم الخوف ، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها الإِحجام أو التردد . . .

وقوله : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أى : ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائن من عند الله وحده ، لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شئ ، والاقدر على كل شئ .

وإن الوسائل مهما عظمت ، والأسباب مهما كثرت ، ولا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة ، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته .

وقوله : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى : غالب لا يقهره شئ ، ولا ينازعه منازع حكيم في تدبيره وأفعاله .

فالجملة الكريمة بتذييل قصد به التعليل لما قبله ، وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة - سبحانه - .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (10)

قوله : { وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله } أي لم يجعل الله إرداف الملائكة بعضها بعضا وتتابعها لتصير مددا لكم في الحرب { إلا بشرى } أي بشارة لكم تبشركم بنصر الله لكم على أعدائكم وكيما تسكن قلوبكم بجيأتهم إليكم غوثا فتوقن بنصر الله .

وذلك هو شأن الإنسان . فما يدرك بحسه حتى يزداد يقينا وتثبيتا ، مع اليقين الكامل والمطلق أنه { وما النصر إلا من عند الله } أي أن النصر من عند الله يكتبه لعباده المؤمنين العاملين المخلصين . وأولئك الذين يجازيهم الله بالنصر والتوفيق ما داموا صادقين مخلصين ، وعلى منهج الله وحده سائرين ، وعليه سبحانه معتمدين متوكلين ، ومثل هذه الفئة المؤمنة الصادقة لا جرم أن يكتب الله لها النصر إذا استوفت واجباتها من الإعداد الديني والنفسي والمادي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا . تلك هي الفئة المؤمنة في كل زمان إذا استوفت ما عليها من الواجبات ، وأدت ما في ذمتها من حقوق الله والبعاد ، واستعدت للقاء العدو ما أمكنها من استعداد المادة والحس –وإن كان دون استعداد الكافرين- فإن الله جلت قدرته يكتب لهم النصر بعونه ومشيئته إنجازا لوعده القائم الدائم { وما النصر إلا من عند الله } وقوله سبحانه : { ولينصرن الله من ينصره } قوله : { إن الله عزيز حكيم } أي أن الله لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب . بل إنه عز وهلا القاهر فوق عباده ، لا يهز عليه أن يقهر قاهر ولا يغلبه غالب . وهو كذلك { حكيم } أي فيما يفعل وفي تدبيره للكون والكائنات . فلا ينصر قوما أو يخذل آخرين إلا عن حكمة{[1627]} يعلمها هو . ولا ينصر المؤمنين أو يصرف عنهم النصر في بعض الأحيان إلا عن إرادته الربانية وحكمته الإلهية ، فهو أعلم بمن يستحق النصر أو يستوجب الهزيمة{[1628]} .


[1627]:الحكمة، تعني العدل والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل، وأحكمه، أي أتقنه، فاستحكم ومنعه عن الفساد. انظر القاموس المحيط جـ 4 ص 100.
[1628]:تفسير الطبري جـ 9 ص 127، 128 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 290، 291.