{ واذكر في الكتاب } في القرآن . { مريم } يعني قصتها . { إذ انتبذت } اعتزلت بدل من { مريم } بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ، أو بدل الكل لأن المراد ب { مريم } قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد ، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل { إذ } بمعنى أن المصدرية كقولك : أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلا لا محالة . { من أهلها مكانا شرقيا } شرقي بيت المقدس ، أو شرقي دارها ، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكانا ظرف أو مفعول لأن { انتبذت } متضمن معنى أتت .
ومن ثم شرع في قصة أخرى وذلك قوله تعالى :
{ واذكر في الكتاب } الخ فهو كلام مستأنف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عليه الصلاة والسلام بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا عليه السلام لما بينهما من كمال الاشتباك والمناسبة . والمراد بالكتاب عند بعض المحققين السورة الكريمة لا القرآن كما عليه الكثير إذ هي التي صدرت بقصة زكريا عليه السلام المستتبعة لقصتها وقصص الأنبياء عليهم السلام المذكورين فيها أي واذكر للناس فيها { مَرْيَمَ } أي نبأها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان .
وقوله تعالى : { إِذِ انتبذت } ظرف لذلك المضاف لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبئها عند انتباذها فقط بل كل ما عطف عليه وحكى بعده بطريق الاستئناف داخل في حيز الظرف متمم للبناء وجعله أبو حيان ظرفاً لفعل محذوف أي واذكر مريم وما جرى لها إذ انتبذت وما ذكرناه أولى . وقيل : هو ظرف لمحذوف وقع حالاً من ذلك المضاف ، وقيل : بدل اشتمال من مريم لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه تفخيم لقصتها العجيبة .
وتعقبه أبو البقاء بأن الزمان إذا لم يقع حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها . ورد بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى سلب زيد ثوبه كيف صح فيه البدلية مع عدم صحة ما ذكر في البدل وكون ذلك حال الزمان فقط غير بين ولا مبين . وقيل : بدل كل من كل على أن المراد بمريم قصتها وبالظرف الواقع فيه وفيه بعد . وقيل : { إِذَا } بمعنى أن المصدرية كما في قوله لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني أي لعدم إكرامك لي . وهذا قول ضعيف للنحاة . والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا به ويتعين على ذلك بدل الاشتمال . والانتباذ الاعتزال والانفراد .
وقال الراغب يقال : انتبذ فلان اعتزل اعتزال من تقل مبالاته بنفسه فيما بين الناس . والنبذ : إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به .
وقوله تعالى : { مّنْ أَهْلِهَا } متعلق بانتبذت ، وقوله سبحانه : { مَكَاناً شَرْقِياً } قيل نصب على الظرف ، وقيل مفعول به لانتبذت باعتبار ما في ضمنه من معنى الاتيان المترتب وجوداً واعتباراً على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه . واختاره بعض المحققين أي اعتزلت وانفردت من أهلها وأتت مكاناً شرقياً من بيت المقدس أو من دارها لتتخلى هناك للعبادة ، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض محتجبة بحائط أو بجبل على ما روي عن ابن عباس أو بثوب على ما قيل وذلك قوله تعالى : { فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً } .
وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى ، ألا وهى قصة مريم وميلادها لابنها عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : { واذكر فِي الكتاب . . . } .
قال ابن كثير : " لما ذكر الله تعالى - قصة زكريا - عليه السلام - وأنه أوجد منه فى حال كبره وعقم زوجته ولدا زكياً طاهراً مباركاً ، وعطف بذكر قصة مريم ، فى إيجاده ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب .
وهى مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت طاهر فى بنى إسرائيل . . . ونشأت نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات . . .
وكانت فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من الكرامات الهائلة ما بهره . . . " .
والمعنى : { واذكر } - أيها الرسول الكريم - { فِي الكتاب } أى فى هذه السورة الكريمة ، أو فى القرآن الكريم ، خبر مريم وقصتها { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .
وفى التعبير بقوله - تعالى - { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .
وفى التعبير بقوله - تعالى - { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا } إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمى ، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان لتتخلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال .
قال القرطبى : واختلف الناس لم انتبذت ؟ فقال السدى : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس . وقال غيره : لتعبد الله وهذا حسن . وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة . . .
فقوله { مَكَاناً شَرْقِياً } أى : مكاناً من جانب الشرق . والشرق - بسكون الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس . والشرق - بفتح الراء - الشمس . .
وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ، حيث تطلع الأنوار . . . " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.