{ وحرام على قرية } وممتنع على أهلها غير متصور منهم . وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي " وحرم " بكسر الحاء وإسكان الراء وقرئ " حرم " . { أهلكناها } حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة . { أنهم لا يرجعون } رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة ، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره : توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم ، أو لأنهم { لا يرجعون } ولا ينيبون { وحرام } خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر . وقيل حرام عزم وموجب عليهم { أنهم لا يرجعون } .
95 - وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ .
للمفسرين آراء في معنى هذه الآية :
أن لا زائدة في الآية ، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . ( المؤمنون : 99 ، 100 ) .
أي : أن من هلك وعذب وعوقب بالخسف أو الزلازل ، أو الموت بأي طريقة كانت ، لا يسمح له بالعودة إلى الدنيا ، فقد أعطى الفرصة كاملة في الدنيا فأضاعها .
قال تعالى : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . ( الأنعام : 28 ) .
هو الرد على أن القرى التي عوقبت بالخسف أو الزلازل أو أي نوع من أنواع الهلاك ، لا تقوم للحساب والجزاء يوم القيامة ؛ لأن الناس تهلك بسبب غضب الله عليهم ، فهذه عقوبة عامة للجميع ، ثم يحاسبون يوم القيامة بحسب أعمالهم ، فالرؤساء والقادة لهم عقاب أشد من التابعين .
قال تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم . . . ( العنكبوت : 13 ) .
وقريب من هؤلاء المنافقون المتلونون قال تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا . ( النساء : 145 ) .
وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ .
قال ابن عباس : قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا ؛ أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة . هكذا صرح ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد .
وفي رواية عن ابن عباس : أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ . أي : لا يتوبون ، والقول الأول أظهر والله أعلم .
وقال الزمخشري في تفسير الكشاف :
استعير الحرام للممتنع وجوده ، ومنه قوله عز وجل : إن الله حرمهما على الكافرين . ( الأعراف : 50 ) . أي : منعهما منهم ، وأبى أن يكونا لهم ، ومعنى : أهلكناها عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها .
ومعنى الرجوع : الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة .
ومجاز الآية : إن قوما عزم الله على إهلاكهم ، غير متصور أن يرجعوا وينيبوا ، إلى أن تقوم القيامة ، فحينئذ يرجعون ويقولون : يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ . ( الأنبياء : 97 ) . يعني : أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب31 .
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم لوزارة الأوقاف المصرية :
وممتنع على أهل كل قرية أهلكناهم بسبب ظلمهم ، أنهم لا يرجعون إلينا يوم القيامة ، بل لا بد من رجوعهم وحسابهم على سوء أعمالهم .
{ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ } أي على أهل قرية فالكلام على تقدير مضاف أو القرية مجاز عن أهلها . والحرام مستعار للممتنع وجوده بجامع أن كل واحد منهما غير مرجو الحصول ، وقال الراغب : الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلهي وإما بمنع قهري وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره ، وذكر أنه قد حمل في هذه الآية على التحريم بالتسخير كما في قوله تعالى : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ } [ القصص : 12 ] وقرأ أبو حنيفة وحمزة والكسائي . وأبو بكر . وطلحة . والأعمش . وأبو عمرو في رواية { وحرم } بكسر الحاء وسكون الراء .
/ وقرأ قتادة . ومطر الوراق . ومحبوب عن أبي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء ، وقرأ عكرمة { وَحَرَّمَ } الحاء وكسر الراء والتنوين . وقرأ ابن عباس . وعكرمة أيضاً . وابن المسيب . وقتادة أيضاً بكسر الراء وفتح الحياء والميم على المضي . وقرأ ابن عباس . وعكرمة بخلاف عنهما . وأبو العالية . وزيد بن علي بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي أيضاً ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قرأ بفتح الحاء والراء والميم على المضي أيضاً .
وقرأ اليماني { وَحَرَّمَ } بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم على أنه فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله .
{ أهلكناها } أي قدرنا هلاكها أو حكمنا به في الأزل لغاية طغيانهم وعتوهم فيما لا يزال .
وقرأ السلمي . وقتادة { أهلكتها } بتاء المتكلم ، وقوله تعالى : { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } في تأويل اسم مرفوع على الابتداء خبره { حَرَامٌ } قال ابن الحاجب في أماليه : ويجب حينئذٍ تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن أن يجب تقديمه ، وجوز أن يكون { حَرَامٌ } مبتدأ و { أَنَّهُمْ } فاعل له سد مسد خبره وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام بناءً على مذهب الأخفش فإنه لا يشترط في ذلك الاعتماد خلافاً للجمهور كما هو المشهور .
وذهب ابن مالك أن رفع الوصف الواقع مبتدأ لمكتفى به عن الخبر من غير اعتماد جائز بلا خلاف وإنما الخلاف في الاستحسان وعدمه فسيبويه يقول : هو ليس بحسن والأخفش يقول : هو حسن وكذا الكوفيون كما في «شرح التسهيل » ؛ والجملة لتقرير ما قبلها من قوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } [ الأنبياء : 93 ] وما في أن من معنى التحقيق معتبر في النفي المستفاد في { حَرَامٌ } لا في المنفى أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء لا أن عدم رجوعهم المحقق ممتنع ، وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم ، وهذا المعنى محكي عن أبي مسلم بن بحر ، ونقله أبو حيان عنه لكنه قال : إن الغرض من الجملة على ذلك إبطال قول من ينكر البعث ، وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعي أحد وأنه يجزى على ذلك يوم القيامة ، ولا يخفى ما فيه .
وقال أبو عتبة : المعنى وممتنع على قرية قدرنا هلاكها أو حكمنا به رجوعهم إلينا أي توبتهم على أن { لا } سيف خطيب مثلها في قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ } [ الأعراف : 12 ] في قول ، وقيل { حَرَامٌ } بمعنى واجب كما في قول الخنساء
: وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا *** على شجوة إلا بكيت على ثخر
ومن ذلك قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ } [ الأنعام : 151 ] الخ فإن ترك الشرك واجب ، وعلى هذا قال مجاهد . والحسن { لاَ يَرْجِعُونَ } لا يتوبون عن الشرك .
وقال قتادة . ومقاتل : لا يرجعون إلى الدنيا ، والظاهر على هذا أن المراد بأهلكناها أوجدنا إهلاكها بالفعل ، والمراد بالهلاك الهلاك الحسي ، ويجوز على القول بأن المراد بعدم الرجوع عدم التوبة أن يراد به الهلاك المعنوي بالكفر والمعاصي . وقرئ { أَنَّهُمْ } بكسر الهمزة على أن الجملة استئناف تعليلي لما قبلها ؛ فحرام خبر مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى : { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ، ويجوز حمل الكلام على قراءة الجمهور بالفتح على هذا المعنى بحذف حرف التعليل أي لأنهم لا يرجعون . والزجاج قدر المبتدأ في ذلك أن يتقبل عملهم فقال : المعنى وحرام على قرية حكمنا بهلاكها أن يتقبل عملهم لأنهم لا يتوبون ودل على ذلك قوله تعالى قبل : { فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } [ الأنبياء : 94 ] حيث أن المراد منه يتقبل عمله .
قوله تعالى : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ( 95 ) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ( 96 ) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ( 97 ) } ( وحرام ) ، هنا بمعنى ممتنع ؛ أي وممتنع على أهل قرية قدرنا عليهم الإهلاك بكفرهم ، رجوعهم إلى الدنيا إلى أن تقوم القيامة . وقال ابن عباس في تأويل الآية : وجب أو قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة .