{ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } استئناف مبين للتجارة وهو الجمع بين الإيمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم والمراد به الأمر وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك ، { ذلكم خير لكم }يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ، { إن كنتم تعلمون }إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله .
11 -{ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
وكأن سائلا سأل فقال : وما هي تلك التجارات ؟ فكان الجواب هو : الإيمان بالله ورسوله ، أي شدة اليقين والتصديق ، وتأكيد الإيمان وتعميقه ، كم قال تعالى : يأيها الذين آمَنوا آمِنوا . . . ( النساء : 136 ) .
ثم قال تعالى : { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ . . . }
وقدم الجهاد بالمال هنا على الجهاد بالنفس ، لأن الموضوع موضوع تجارة رابحة ، فقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، فالمال عصبُ الجهاد ، وبه تشترى الأسلحة والأطعمة للمجاهدين ، وينفق به عليهم ، وعلى الاستخبارات عن العدوّ ، وعلى الاستحكامات الحربية .
وبعد الجهاد بالمال يأتي الجهاد بالنفس ، ويشمل ذلك القتال والتطوع للفداء ، وتفجير المجاهد نفسه في ممتلكات العدوّ وأفراده ، وسائر أدوات نصر المسلمين ، والنيل من أعدائهم .
{ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
أي : هذا الأمر – وهو الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس – خير لكم على الإطلاق من أموالكم وأنفسكم .
وفي معنى الآية قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . . ( التوبة : 111 ) .
لكنه قدّم النفس على المال في سورة التوبة ، حيث الموضوع موضوع شراء فقدم النفس على المال ، أما هنا في سورة الصف فقد كان للموضوع موضوع تجارة ، والتجارة يقدم فيها المال على النفس هكذا يقول بعض المفسرين ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الموضوع موضوع تنويع وتشويق من القرآن الكريم ، وأن القرآن لوّن في أساليب البيان ، فأحيانا يقدم النفس على المال ، وأحيانا يقدّم المال على النفس ، من باب التنويع والتغيير ، والله أعلم .
وقوله تعالى : { تُؤْمنُونَ بالله وَرَسُوله وتجاهدون في سَبيل الله بأَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } استئناف بياني كأنه قيل : ما هذه التجارة ؟ دلنا عليها : فقيل : { تؤمنون } الخ ، والمضارع في الموضعين كما قال المبرد . وجماعة خبر بمعنى الأمر أي آمنوا وجاهدوا ، ويؤيده قراءة عبد الله كذلك ، والتعبير به للإيذان بوجوب الامتثال كأن الإيمان والجهاد قد وقعا فأخبر بوقوعهما ، والخطاب إذا كان للمؤمنين الخلص فالمراد تثبتون وتدومون على الإيمان أو تجمعون بين الإيمان والجهاد أي بين تكميل النفس وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهراً فالمراد تخلصون الإيمان ، وأياً ما كان فلا إشكال في الأمر ، وقال الأخفش : { تؤمنون } الخ عطف بيان على { تجارة } ، وتعقب بأنه لا يتخيل إلا على تقدير أن يكون الأصل أن تؤمنوا حتى يتقدر بمصدر ، ثم حذف أن فارتفع الفعل كما في قوله
: ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى *** يريد أن احضر فلما حذف أن ارتفع الفعل وهو قليل ، وقال ابن عطية : { تؤمنون } فعل مرفوع بتقدير ذلك أنه تؤمنون ، وفيه حذف المبتدأ وأن واسمها وإبقاء خبرها ، وذلك على ما قال أبو حيان : لا يجوز ، وقرأ زيد بن علي تؤمنوا وتجاهدوا بحذف نون الرفع فيهما على إضمار لام الأمر أي لتؤمنوا وتجاهدوا ، أو لتجاهدوا كما في قوله
: قلت لبواب على بابها *** تأذن لنا إني من أحمائها
: محمد تفد نفسك كل نفس *** إذا ما خفت من أمر تبالا
وجوز الاستئناف ، والنون حذفت تخفيفاً كما في قراءة ( ساحران يظاهرا ) وقوله
: ونقري ما شئت أن تنقري *** قد رفع الفخ فماذا تحذري
: أبيت أسري وتبيتي تدلكي *** وجهك بالعنبر والمسك الذكي
وأنت تعلم أن الحذف شاذ { ذلكم } أي ما ذكر من الإيمان والجهاد { خَيْرٌ لَكُمْ } على الإطلاق أو من أموالكم وأنفسكم { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجهلة لا يعتدّ بأفعالهم حتى توصف بالخيرية ، وقيل : أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتم أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتخلصون وتفلحون .
وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر ، ويسمو إليه كل لبيب ، فكأنه قيل : ما هذه التجارة التي هذا قدرها ؟ فقال { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به ، المستلزم لأعمال الجوارح ، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله{[1081]} فلهذا قال : { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم ، لمصادمة أعداء الإسلام ، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته ، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب ، فإن ذلك ، ولو{[1082]} كان كريها للنفوس شاقا عليها ، فإنه { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فإن فيه الخير الدنيوي ، من النصر على الأعداء ، والعز المنافي للذل والرزق الواسع ، وسعة الصدر وانشراحه . وفي الآخرة الفوز{[1083]} بثواب الله والنجاة من عقابه ، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة ، فقال :
قوله : { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } فالتجارة القويمة الرابحة التي تفضي إلى التنجيه من العذاب يوم القيامة لهي الإيمان بالله إلها واحدا مقتدرا ، وبرسوله الأمين ، مبعوثا للعالمين ، والجهاد بالمال والنفس لقتال الظالمين المعتدين ، من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل ودفع الشر والعدوان عن البشرية .
قوله : { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } الإشارة عائدة إلى ما ذكر من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله بالمال والنفس . وذلك ، في موضع رفع مبتدأ وخبره ، { خير لكم } يعني هذا الذي أشير إليه خير لكم وأنفع وأدوم ، { إن كنتم تعلمون } فإن كنتم من أهل التفكر والبصر فأنتم موقنون بذلك ، وإن كنتم من أهل العماية والضلال وانغلاق البصيرة فإنكم لا توقنون بما ذكر .